الإهداءات



تمنع جميع الحوارات السياسيه فى المنتدى مهما كان نوعها سواء مدح أو ذم ,,, ومنع طرح المواضيع الخلافيه الموجوده على الساحه العربيه الان مهما كان نوعها ومن تخالف هذا القرار للإداره حق التصرف بما تراه مناسب ونسأل الله أن يسدد خطانا جميعا اللهم آآمين الحوارات السياسيه

   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

رحمك الله يا سمية

رقم العضوية : 8411
الإنتساب : Jan 1970
المشاركات : 16,376
بمعدل : 0.93 يوميا

شمائل غير متواجد حالياً عرض البوم صور شمائل


  مشاركة رقم : 51  
كاتب الموضوع : شمائل المنتدى : التفسير قديم بتاريخ : 04-23-2013 الساعة : 11:56 AM

المقطع الثاني

كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23)
( كَلَّا إِنَّهَا ترذْكِرَةٌ ) : ( كلا ) كلمة ردع، وزجر, ولعلها لم تقل لنبينا صلى الله عليه وسلم في القرآن كله إلا في هذا الموضع, والمشار إليه في قوله ( إنها ) إما هذه الواقعة التي جرت، ففيها تذكرة. وإما أن المراد بذلك هذه الآيات التي تلوناها وأنزلناها, وهذا أقرب لدلالة ما بعدها .
( فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ) : يعني فمن أراد أن يتعظ، ويدَّكر، فهاهي بين يديه. قال بعضهم: إن مرجع الضمير في قوله " فمن شاء ذكره " إلى الله عز وجل, ولكن الأليق بالسياق أن يكون المراد هذه الآيات، بدلالة ما بعدها، لأنه قال : ( فمن شاء ذكره , في صحف مكرمة , مرفوعة مطهرة , بأيدي سفرة , كرامٍ بررة ), إذاً، هذه التذكرة هي هذه الآيات المتلوة، التي حفظت هذه الواقعة, وبهذا نجمع بين القولين.
( فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ) : أي القرآن المتلو, في صحف مكرمة، يعني أنه مكتوب في صحف كريمة، شريفة .
( مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ) : أي في منزلة عالية، رفيعة، بعيدة عن الدنس .
( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ) : قيل إن السفرة هم كتبة المصحف، يعني القراء. وإلى هذا ذهب قتادة، رحمه الله، فقال: إن السفرة هم اللذين يكتبون هذه الأسفار، وهم كتبة الوحي، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, أي القراء من الصحابة الذين يحفظون القرآن في السطور، وفي الصدور. وذهب ابن عباس، رضي الله عنهما، في الرواية المشهورة عنه، إلى أن المراد بالسفرة الملائكة, وربما روي من طريق آخر عنه أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم , وهي رواية قتادة عنه, والرواية الأخرى المقدمة، هي رواية العوفي عنه. وإنما سمي الملائكة سفرة، لأنهم سفراء بين الله وبين أنبيائه، والأقرب أن المراد بالسفرة الملائكة .
ووصفت هذه الصحف بأنها (مكرمة) و (مرفوعة) و (مطهرة) لأنها صحف الملائكة التي يستنسخون بها الوحي ويكتبونه فيها. فلا شك أن ما بأيدي الملائكة رفيع القدر، بعيد عن الدنس.
( كِرَامٍ بَرَرَةٍ ) : وصف الله تعالى الملائكة بوصفين : ( كرام بررة ), كما قال في الآية الأخرى : ( كراماً كاتبين ) والكريم هو الشريف, وأصل البر ما دل على كثرة الخير , فالبار هو كثير الخير. ولهذا سمي البَر بَراً لسعته وكثرته. وقد وصف الله عباده الصالحين بأنهم أبرار , ولم يصفهم بأنهم بررة, كما قال الله تعالى : (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) , أما الملائكة فقد وصفوا بأنهم بررة، لكثرة طاعتهم لله، قال الله عز وجل : ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) , (لا يسئمون ) , (لايستحسرون ) , وقال : ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) عليهم صلوات الله وسلامه , وفي هذا ملحظ لطيف، ذكره الحافظ ابن كثير، رحمه الله، وهو أنه ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله، وأقواله، على السداد، والرشاد. فإذا كان الملائكة، سفراء الله إلى أنبيائه، الذين يحملون الصحف المكرمة، المرفوعة، المطهرة، هذا وصفهم " كرام بررة "، فينبغي لحامل القرآن من عباد الله، أن يكون على طريق الرشاد، وعلى سبيل السداد ؛ احتراماً، وصوناً لهذا للكلام الذي بين جنبيه.
( قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ) : هذا دعاء من الله عز وجل على الإنسان. ولا يستقيم في هذا المقام أن نقول جنس الإنسان, بل ينبغي أن نخصه بالكافر. وقد لاحظ ابن عاشور، رحمه الله، أن ذكر الإنسان في القرآن المكي، غالباً ما يراد به الإنسان الكافر , كما في قول الله تعالى : ( كلا إن الإنسان ليطغى ).
وقوله ( قتل ) هذا دعاء على الكافر بالقتل. والدعاء عليه بالقتل المراد به اللعن، لأن ذلك طرد، وإبعاد له عن رحمة الله.
وقوله : ( ما أكفره ) تحتمل (ما) معنيين :
أن تكون تعجبية : أي ما أشد كفره, فالله خلقه، ورزقه، وأعده، وأمده، ثم يكفر به ! أو تكون استفهامية : يعني أي شيء أكفره ؟ لماذا كفر ؟ وكأنها تعجبية أوقع .
( مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) : هذا الاستفهام للتقرير ؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعلم, والمراد ما أصل خلقه ؟ .
( مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَه ُ) : والمراد هنا: من سوى آدم عليه السلام , لأن آدم عليه السلام خلق من قبضة من تراب, والمراد بالنطفة: هو نطف المني ودفقته. هذا أصل خلق الإنسان, ما يقذفه الرجل في رحم الأنثى، يكون منتن الريح، يستحي من ذكره. وقد جاء العلم الحديث ليبين أن حال الإنسان أحقر حتى مما كان يفهم من مجرد الصورة الظاهرة للنطفة؛ فالإنسان يخلق من خلية لا ترى إلا بالمجاهر الدقيقة, فهذه النطفة، أو القذفة المنوية، تحتوي على ملايين الحيوانات المنوية. فتأمل بداية خلق الإنسان ! فما الذي يجعله يشمخ بأنفه، ويتعالى على ربه، ويستنكف عن عبادته ؟
( فقدره ) بعد أن خلقه، أمده، وأعده, أعطاه الآلات، والأدواتن التي يقدر فيها على الفعل، والكسبنوالحرث، والضرب في الأرض .
( ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ) : قيل في معنى ( السبيل ) قولان :
إما أن المراد بالسبيل: طريق خروجه من بطن أمه. وإلى هذا ذهب ابن عباس رضي الله عنهما. وهذا الأمر مدهش ! هذا الجنين الذي احتواه الرحم تسعة أشهر، يسهل الله تعالى مخرجه من هذه المخارج الضيقة ! ويجري من التغيرات العضوية على الرحم، ومخرج الولد، ما يجعله يتسع، ليخرج منه هذا الكائن.
وقيل أن المراد بالسبيل: هو طريق الحق أو الباطل. ومعنى ( يسره) أي مهد له ذلك السبيل، وبين له الخير من الشر، كما قال في الآية الأخرى : ( إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً). فهذه الآية تؤيد المعنى الآخر، وإلى هذا ذهب مجاهد، رحمه الله، ويشهد له قول الله عز وجل : ( وهديناه النجدين ) يعني الطريقين؛ طريق الخير، وطريق الشر. ولا مانع من حمل الآية على المعنيين؛ لأنه لا تعارض بينهما.
( ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ) : يعني بعد أن طوى هذا العمر، سالكاً طريق الخير، أو الشر، أماته , لأن الله تعالى قضى بالموت على كل حي، حتى ملك الموت يموت , فلا يبقى إلا الله الواحد القهار. والموت أمر وجودي، كما قال الله تعالى : ( الذي خلق الموت والحياة ) فالموت إذاً أمر وجودي لأنه مخلوق. ومعنى ( أقبره ) أي أمر بدفنه ؛ وفي اللغة يقال " قابر " ويقال " مُقبر " فالقابر هو الذي يباشر الدفن, والمُقبر هو الذي يأمر بالدفن. فهنا قال: ( فأقبره ), ولم يقل " فقبره ". والدفن سنة كونية، ولهذا لما قتل ابن آدم الأول أخاه ( بعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه قال ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين ) , فلم يزل بنو آدم يقبرون موتاهم، إلا من طمسه الله عز وجل، من الذين يحرقون الموتى, لكنهم بعد إحراقهم للموتى يدفنون رمادهم .
( ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ) : أي بعثه وأحياه بعد موته. وقوله ( إذا شاء ) ليس المراد أنه قد يشاء أن ينشره، وقد لا يشاء ذلك؛ لأنه لابد من البعث, وإنما المراد زمن بعثه، يعني إذا شاء أن ينشره أنشره في الوقت المعين.
ولو تأملنا في هذه الآيات، لوجدنا أن العطف يقع تارة " بثم " وتارة " بالفاء " فمن الناحية البلاغية، سنجد أن العطف جاء " بالفاء " فيما يقصد به التعقيب المباشر , و " بثم " فيما يفصله عما قبله تراخي , قال ( من نطفة خلقه فقدره ) أعطاه الآلات التي يقدر فيها على قضاء مصالحه, بعد ذلك قال: ( ثم السبيل يسره ) لأنه جرى بعد ذلك فاصل، سواء على القول الأول أنه خروجه من رحم أمه؛ لأنه أخذ يترقى في الخلقن من نطفة، إلى علقة، إلى مضغة، إلى أن كسا العظام لحماً , فأتى " بثم " لوجود فاصل زمني , أو على القول الثاني أنه الخير، والشر، بأن يمضي عليه سنوات حتى يصبح مكلفاً، فهذا فاصل زمني يناسب أن يأتي بعده " بثم ". ثم قال ( ثم أماته )، لأنه قد عاش ردحاً من الزمن، فناسب أن يأتي " بثم " التي تدل على تراخ وفاصل طويل , ثم قال: ( فأقبره ) أتى " بالفاء " لأن الفاصل بين الموت والدفن فاصل قصير. ثم قال: (ثم إذا شاء أنشره ) أتى " بثم " لأن بين موت الإنسان وبعثه زمن طويل . فتأمل!
( كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ) : أي ليس الأمر كما يظن ذلك الكافر المنكر للبعث، أنه أدى ما عليه، وأنه لا شيء عليه، وغير ذلك , كلا! فإنه لم يؤد حق الله الذي افترضه عليه .
الفوائد المستنبطة :
الأولى: وصف القرءان بالتذكرة .
الثانية : إثبات مشيئة العباد، وأفعالهم ( فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ), وفي هذا رد على الجبرية الذين يسلبون العبد مشيئته، وفعله. فالعبد له مشيئة حقيقية , لكن مشيئته داخلة تحت مشيئة الله ( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ.وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) .
الثالثة : كرامة كلام الله, وكرامة محله، وحملته.
الرابعة : أن القرآن كلام الله، ليس كلام الملائكة، لقوله ( سفرة ) لوصفهم بالسفارة فمهمتهم النقل فقط. ففيه الرد على المعتزلة الذين قالوا إن القرآن كلام محمد، أو جبريل، وليس كلام الله الصادر منه.
الخامسة : إثبات الملائكة، ووصفهم بالكرامة وكثرة البر
السادسة : ذم الكافر الجاحد، والتعجيب من حاله .
السابعة : بيان أصل الإنسان المهين.
الثامنة : بيان فضل الله على الإنسان قدراً، وشرعاً، أما قدراً فلقوله ( مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ , ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ , ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ) , وأما شرعاً فلقوله ( ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَه ُ) على القول إن السبيل المراد به طريق الحق والباطل .




رحمك الله يا سمية

رقم العضوية : 8411
الإنتساب : Jan 1970
المشاركات : 16,376
بمعدل : 0.93 يوميا

شمائل غير متواجد حالياً عرض البوم صور شمائل


  مشاركة رقم : 52  
كاتب الموضوع : شمائل المنتدى : التفسير قديم بتاريخ : 04-23-2013 الساعة : 11:57 AM

سورة عبس
المقطع الثالث
( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42))
( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ) : هذه دعوة من الله عز وجل للإنسان , والمراد به هاهنا جنس الإنسان ؛ لأن هذا لا يختص بالكافر, وإن كان الخطاب يتوجه بالدرجة الأولى إلى الكافر، المنكر للبعث, لكنه في الواقع يتناول المؤمن ليتعظ، ويتدبر. والإنسان بطبعه يتبلد حسه بالنسبة للأمور المألوفة, فلا يلقي لها بالاً، ولا يعتبر دوماً، ولا يتبصر بما يتكرر عليه ليل نهار، صباح مساء. فالله تعالى يصرف فكر الإنسان إلى أقرب الأشياء إليه، وهو هذا الطعام الذي يتناوله يومياً، ولم تحدثه نفسه أن يفكر في مصدره, وكيف سيق إليه ؟
( أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ) : وهذه القراءة هي المشهورة بفتح الهمزة (أَنَّا)، وعلى هذا تكون الجملة بدل اشتمال لقوله ( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ). والمراد بصب الماء كون الله عز وجل أنزل المطر على الأرض غزيراً قوياً, متتابعاً .
( ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ) : و " ثم " ها هنا تفيد التراخي ؛ لأن الإنبات لا يحصل مباشرة , بل يقع في جوف الأرض من التكونات العضوية لهذه النباتات ما يستغرق فترة طالت، أو قصرت. ومعنى ( شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ) أن الله سبحانه وتعالى فتق وجه الأرض ، فأخرج هذا النبات. فتجد النبتة تشق الصعيد، أو تبحث من بين الصخور الصلبة عن شق تخرج منه , حتى إذا قويت واشتد عودها فلقت الصخر، بقدرة الله عز وجل .
( فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ) : أي في هذه الأرض, والحب: اسم جنس لجميع الحبوب، فيشمل البر، والشعير، والذرة ، والدخن ، وغير ذلك من أنواع الحبوب .
( وَعِنَبًا وَقَضْبًا ) : العنب هو الكرم , وذكرهما الله تعالى لكرامتهما، عند من نزل فيهم القرآن , فإن الحب قوتهم، والعنب فاكهتهم .
وأما (القضب) التفسير الشامل أو العام لهذه اللفظة أنه كل ما يقضب من النبات، فيجز، فينبت مرة أخرى. ومعنى أنه يقضب من القضب وهو القبض، وجذرهما واحد. وقد اختلفت عبارات المفسرين في معنى القضب، فقيل في معناه: أنها الرطبة يعني أي نبت رطب، وقيل في معناه: العلف، وتحديداً القت, ويلحق به على هذا جميع أنواع البقوليات التي تنبت على وجه الأرض .
( وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا) : الزيتون معروف , وقد ذكره الله في غير ما موضع في كتابه , وهو شجرة كريمة، ويخرج منه زيت مبارك (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ), والنخل كذلك معروف، وهو الشجرة الرئيسية، والثمرة الأساسية التي يقتاتون منها, ولا ريب أنها من أكرم أنواع الأشجار، بل هي أكرمها، وأعظمها فائدة، ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن بالنخلة, وألغز أصحابه يوماً، فسألهم عن شجرة لا يسقط ورقها، مثلها مثل المؤمن، فوقع الناس في شجر البادية, وهذا من الخطأ؛ إذا سئل الإنسان، أن يجنح إلى الأمور البعيدة، ينبغي أن يبدأ بالأقرب. فوقع في نفس ابن عمر، رضي الله عنهما، أنها النخلة، قال: فنظرت، فإذا أنا أصغر القوم، فاستحييت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم، إنها النخلة, قال: فحدثت أبي، فأسف عمر،رضي الله عنه، وتمنى أن لو أجاب ابنه، ولا أن له بذلك كذا وكذا. والمقصود أن النخل من أكرم الأشجار، وأعظمها بركة. وقد ذكره الله عز وجل، في مواضع كثيرة من كتابه .
( وَحَدَائِقَ غُلْبًا ) : الحدائق البساتين ؛ لأنها تحدق بمن كان بداخلها لكثافتها، والتفاف أشجارها. ومعنى ( غلباً ) أي غلاظاً، وقيل عظيمة، وقيل كراماً، والحق أنه يشمل ذلك كله؛ بمعنى أن الحدائق هذه حدائق تحتوي على أشجار ضخمة، عظام، كرام, ولهذا فسرت بأنها النخل الكرام, فمعنى " الغلب " ما يدل على العظمة، والمتانة، والقوة، ونحو ذلك .
( وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) : " الفاكهة "ما يتفكه به الإنسان من أنواع الثمار, و" الأب " قيل: إنه النبات عموماً، وقيل إنه ما يختص بطعام الحيوان. وكأن هذه اللفظة " أب " مأخوذة من ( آب ) , فالنبات الذي يحصد، ثم يخرج يقال له " أب " من الإياب، وهو العَود. فيشمل الأعلاف، وما شابهها. فكأنه أراد التقسيم : " الفاكهة " للإنسان , و " الأب " للحيوان. وأما ما يروى عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أنه قال لما سئل عن " الأب " : ( أي سماء تظلنيوأي أرض تقلني أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم ) , فهو من حيث السند منقطع, ومن حيث المعنى صحيح؛ فإن الإنسان لا يحل له أن يقول في كتاب الله بمجرد الرأي, بل لابد أن يصدر في ذلك عن أثارة من علم ؛ لأن القول على الله عظيم , وقد كان الصحابة، رضوان الله عليهم، يسألون عن الحديث فيحدثون، فإذا سئلوا عن تفسير القرآن أمسكوا، تعظيماً للمقام؛ لأنهم يرون أن هذا قول على الله عز وجل، وتوقيع عن رب العالمين، فكانوا يتحرجون غاية الحرج، أن يقولوا في كتاب الله مالا يعلمون. فالواجب على الإنسان ألا يخوض فيما لا يعلم, ويروى عن عمر، رضي الله عنه، أنه ساءل نفسه عن " الأب " ثم قال، إن هذا لهو التكلف يا عمر! وقد يكون هذا مشكلاً, فقد يفهم بعض الناس من هذا الأثر، وهو صحيح، أن الإنسان لا يسأل عما خفي عليه, لكن لا يظهر أن هذا هو مراد عمر، رضي الله عنه, وإنما كره أن يقول فيه بلا بينة، فعد ذلك تكلفاً، أن يستنبط شيئاً بلا جزم ولا يقين. وربما كان هذا اللفظ " الأب " ليس من لغة قريش، فخفي على عمر، رضي الله عنه؛ فإن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فبعض ألفاظه ومفرداته، قد لا تكون من لغة قريش, وإنما من لغة بعض أحياء العرب، فخفي على عمر، فنهى نفسه أن يتعجل قولاً بلا جزم ولا بينة، فقال: إن هذا لهو التكلف. ولكن هذا لا يعني أن لا يسأل الإنسان عن معاني ما أنزل الله تعالى على نبيه, لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك شاذة، ولا فاذة، إلا بينها، كما قال تعالى : ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم ) , وقال : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ ) , وقال : ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ ) , وقال : ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) , وقال : ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) , فلابد من تعقل القرآن جميعه، ومعرفة مفرداته، وتراكيبه, ولكن هذا لا يكون بمجرد الرأي المحض، لابد من تفسيره بالمأثور، وقد بين ابن عباس، رضي الله عنهما أن تفسير القرآن على أربعة أضرب :
الوجه الأول : تعرفه العرب من لغتها : مثل معرفة " غَاسِقٍ " , و " وَقَبَ " , و " الرَّقِيمِ " , و " الأب " ونحو ذلك، فهذا يطلب من علوم العربية ، وقد كانوا ينشدون الأشعار، ويحفظون الشواهد، التي يفسر بها القرآن, وقد جرى بين ابن عباس، رضي الله عنهما، ونافع بن الأزرق سجال في هذا, وكان ابن عباس يستدل على معنى كل لفظة، ببيت من شعر العرب .
الوجه الثاني : ما لا يعذر أحد بجهالته : وهو المعلوم من الدين بالضرورة. فإذا قال الله تعالى : ( أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) , فليس لقائل أن يقول: المقصود بالصلاة هنا الدعاء. لأن الشرع أتى بمعنى اصطلاحي للصلاة، وأنها عبادة ذات أقوال، وأفعال، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم. هكذا.
الوجه الثالث : ما يعلمه العلماء : وهو الذي يحتاج إلى طلب، ورواية، ودراية؛ كمعرفة الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والخاص والعام.
الوجه الرابع : مالا يعلمه إلا الله، فمن أدعى علمه فهو كاذب : والمقصود به الكيفيات، وحقائق المغيبات, فهذا لا يمكن أن يعلمه إلا الله. فإذا أخبر سبحانه وتعالى أنه ( عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) فإننا نثبت الاستواء، ونثبت معناه؛ أنه العلو, لكننا لا ندرك كيفيته، فكيفيته لا يعلمها إلا الله. الاستواء معلوم ، والكيف مجهول. وإذا أخبر الله تعالى، عن ما يقع في اليوم الآخر؛ من النفخ في الصور، والبعث، والنشور، والحشر، والصراط، والميزان, فإننا نعلم هذه المعاني من حيث اللغة , لكن لا ندرك الكيفيات, فهذا مما أستأثر به الله تعالى بعلمه، أي بعلم كيفيته .
( مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ) : " متاعاً " أي منفعة مؤقتة؛ لأن المتاع يدل على النفع، ويدل على الاستمتاع. والاستمتاع لابد أن يكون موقوتاً. فهذه المذكورات فيها منفعة لكم، وفيها منفعة لأنعامكم. ثم لاحظ أن هذه الأنعام تحيل ذلك إلى طعام؛ فيؤخذ منها اللبن، ويؤخذ منها الزبد، والسمن، واللحم. إذاً هي أيضاً تعود إلى الطعام، فتدخل في عموم قوله ( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ).
فهذه الجولة في هذه المكونات الغذائية، التي ينبتها الله تعالى على وجه الأرض، ويتناولها الناس، تجعل الإنسان في موقف المتدبر لطعامه، من حين أنزل الله المطر من السماء، إلى أن وصلت إلى فيه. هذه المراحل تستدعي منه النظر، والاعتبار، والتفكر.
( فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ) : الصاخة: اسم من أسماء الساعة. وسميت بذلك لأنها تصخ الآذان لشدة صوتها، فهي صيحة مرعبة، مدوية.
( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ): هذا وصف لتفاصيل القيامة، وهو مشهد مرعب، مفزع , أقرب الناس إليه، من يتمنى أن يفديهم في دنياه ، وأن يدفع عنهم الأذى ، ويتمنى أن يصيبه دونهم , يوم القيامة، يفزع منهم، وينفض يديه منهم، ويفر منهم , لا أحد ينعطف على أحد، ولا أحد يلتفت على أحد. حتى أخيه الذي درج معه في مراتع الصبا، لا يباليه يوم القيامة، ولا يلتفت إليه .
( وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ) : سببا وجوده في هذه الحياة، أحن الناس عليه، وأشفقهم به , يفر منهم. يسألانه حسنة واحدة، فلا يبذلها لهما, يقول نفسي! نفسي! النجاء! النجاء!
( وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ) : الصاحبة: هي الزوجة، ألصق الناس به, والتي جعل الله بينه وبينها، في هذه الدنيا مودة، ورحمة،يوم القيامة، يفر منها, وفلذة كبده، وبضعة منه، يفر منه يوم القيامة .
لا ريب أن هذا يدل على هول المطلع، وعظم الموقف، وأن الإنسان ما كان ليبدر منه هذا التنصل من أقرب الناس إليه، إلا لشدة الحال. ولو تأملت في حياتك الدنيا، لوجدت أنك لو رأيت بعض هؤلاء الأحبة يغرق لألقيت نفسك عليه، لتستنقذه، وربما تهلك معه, وإذا وجدته يحترق، ربما ألقيت نفسك عليه، وإذا فقدته لحقك حزن عظيم، وهم، واكتئاب. لكن تأمل ! يوم القيامة، لا مكان لهذه المشاعر، لأن المرء يدرك أن أمامه مصير مستديم، وهول عظيم، يريد أن ينجو بنفسه، يريد أن ينقذ ذاته، لا يلوي على أحد .
( لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) : يعني يغنيه عن النظر إلى غيره
كلانا غني عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا
( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَة ٌ) : في ذلك الموقف العصيب يتمايز الناس؛ فمن خافه في الدنيا، أمنه في الآخرة, ومن أمنه في الدنيا، أخافه في الآخرة. وإنما عبر الله تعالى عن الذوات بالوجوه، لأن الوجه هو مرآة الإنسان، بل هو مرآة القلب فتظهر انفعالات القلب على الوجه, فالوجه صفحة ظاهرة، تنبيء عما في الباطن. ومعنى ( مسفرة ) مضيئة مستنيرة, ووصف الوجوه بأنها ( ضَاحِكَةٌ ) لأن الضحك يرى في الوجه, والضحك يكون من فرح، ومن أنس، ومن موعود حسن, ومعنى ( مستبشرة ) أي فرحة، متفائلة، لما تنتظر ما عند الله عز وجل من النعيم، والفضل. جعلنا الله وإياكم منهم .
( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ) : كالحةٌ مظلمةٌ .
( تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ) : أي سواد، وظلمة، كما قال الله في الآية الأخرى : ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ) .
( أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ) : جمعوا بين فسادين؛ بين فساد القلب، وفساد العمل, فساد القلب دل عليه وصفها بالكفر، وفساد العمل دل عليه وصفها بالفجور.

الفوائد المستنبطة :
الأولى :فضيلة التفكر في نعم الله وآلائه , والدعوة إلى ذلك.
الثانية : بديع صنع الله في النفس، والآفاق.
الثالثة : كرم هذه الثمرات، والنباتات, لأن الله تعالى ما خصها بالذكر إلا لمزيد مزيتها.
الرابعة : وجوب شكر المنعم وعبادته ؛ لأنه قال ( مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ).
الخامسة : عظم أمر الساعة، وهول أحوال يوم القيامة.
السادسة : تبرؤ الإنسان من أقرب الناس إليه يوم القيامة.
السابعة : أن الجزاء من جنس العمل.
الثامنة : أن الكفر كفران؛ كفر اعتقادي، وكفر عملي ( أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) , لأن الموصوف




رحمك الله يا سمية

رقم العضوية : 8411
الإنتساب : Jan 1970
المشاركات : 16,376
بمعدل : 0.93 يوميا

شمائل غير متواجد حالياً عرض البوم صور شمائل


  مشاركة رقم : 53  
كاتب الموضوع : شمائل المنتدى : التفسير قديم بتاريخ : 04-23-2013 الساعة : 11:57 AM

سورة عبس
المقطع الثالث
( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42))
( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ) : هذه دعوة من الله عز وجل للإنسان , والمراد به هاهنا جنس الإنسان ؛ لأن هذا لا يختص بالكافر, وإن كان الخطاب يتوجه بالدرجة الأولى إلى الكافر، المنكر للبعث, لكنه في الواقع يتناول المؤمن ليتعظ، ويتدبر. والإنسان بطبعه يتبلد حسه بالنسبة للأمور المألوفة, فلا يلقي لها بالاً، ولا يعتبر دوماً، ولا يتبصر بما يتكرر عليه ليل نهار، صباح مساء. فالله تعالى يصرف فكر الإنسان إلى أقرب الأشياء إليه، وهو هذا الطعام الذي يتناوله يومياً، ولم تحدثه نفسه أن يفكر في مصدره, وكيف سيق إليه ؟
( أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ) : وهذه القراءة هي المشهورة بفتح الهمزة (أَنَّا)، وعلى هذا تكون الجملة بدل اشتمال لقوله ( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ). والمراد بصب الماء كون الله عز وجل أنزل المطر على الأرض غزيراً قوياً, متتابعاً .
( ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ) : و " ثم " ها هنا تفيد التراخي ؛ لأن الإنبات لا يحصل مباشرة , بل يقع في جوف الأرض من التكونات العضوية لهذه النباتات ما يستغرق فترة طالت، أو قصرت. ومعنى ( شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ) أن الله سبحانه وتعالى فتق وجه الأرض ، فأخرج هذا النبات. فتجد النبتة تشق الصعيد، أو تبحث من بين الصخور الصلبة عن شق تخرج منه , حتى إذا قويت واشتد عودها فلقت الصخر، بقدرة الله عز وجل .
( فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ) : أي في هذه الأرض, والحب: اسم جنس لجميع الحبوب، فيشمل البر، والشعير، والذرة ، والدخن ، وغير ذلك من أنواع الحبوب .
( وَعِنَبًا وَقَضْبًا ) : العنب هو الكرم , وذكرهما الله تعالى لكرامتهما، عند من نزل فيهم القرآن , فإن الحب قوتهم، والعنب فاكهتهم .
وأما (القضب) التفسير الشامل أو العام لهذه اللفظة أنه كل ما يقضب من النبات، فيجز، فينبت مرة أخرى. ومعنى أنه يقضب من القضب وهو القبض، وجذرهما واحد. وقد اختلفت عبارات المفسرين في معنى القضب، فقيل في معناه: أنها الرطبة يعني أي نبت رطب، وقيل في معناه: العلف، وتحديداً القت, ويلحق به على هذا جميع أنواع البقوليات التي تنبت على وجه الأرض .
( وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا) : الزيتون معروف , وقد ذكره الله في غير ما موضع في كتابه , وهو شجرة كريمة، ويخرج منه زيت مبارك (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ), والنخل كذلك معروف، وهو الشجرة الرئيسية، والثمرة الأساسية التي يقتاتون منها, ولا ريب أنها من أكرم أنواع الأشجار، بل هي أكرمها، وأعظمها فائدة، ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن بالنخلة, وألغز أصحابه يوماً، فسألهم عن شجرة لا يسقط ورقها، مثلها مثل المؤمن، فوقع الناس في شجر البادية, وهذا من الخطأ؛ إذا سئل الإنسان، أن يجنح إلى الأمور البعيدة، ينبغي أن يبدأ بالأقرب. فوقع في نفس ابن عمر، رضي الله عنهما، أنها النخلة، قال: فنظرت، فإذا أنا أصغر القوم، فاستحييت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم، إنها النخلة, قال: فحدثت أبي، فأسف عمر،رضي الله عنه، وتمنى أن لو أجاب ابنه، ولا أن له بذلك كذا وكذا. والمقصود أن النخل من أكرم الأشجار، وأعظمها بركة. وقد ذكره الله عز وجل، في مواضع كثيرة من كتابه .
( وَحَدَائِقَ غُلْبًا ) : الحدائق البساتين ؛ لأنها تحدق بمن كان بداخلها لكثافتها، والتفاف أشجارها. ومعنى ( غلباً ) أي غلاظاً، وقيل عظيمة، وقيل كراماً، والحق أنه يشمل ذلك كله؛ بمعنى أن الحدائق هذه حدائق تحتوي على أشجار ضخمة، عظام، كرام, ولهذا فسرت بأنها النخل الكرام, فمعنى " الغلب " ما يدل على العظمة، والمتانة، والقوة، ونحو ذلك .
( وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) : " الفاكهة "ما يتفكه به الإنسان من أنواع الثمار, و" الأب " قيل: إنه النبات عموماً، وقيل إنه ما يختص بطعام الحيوان. وكأن هذه اللفظة " أب " مأخوذة من ( آب ) , فالنبات الذي يحصد، ثم يخرج يقال له " أب " من الإياب، وهو العَود. فيشمل الأعلاف، وما شابهها. فكأنه أراد التقسيم : " الفاكهة " للإنسان , و " الأب " للحيوان. وأما ما يروى عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أنه قال لما سئل عن " الأب " : ( أي سماء تظلنيوأي أرض تقلني أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم ) , فهو من حيث السند منقطع, ومن حيث المعنى صحيح؛ فإن الإنسان لا يحل له أن يقول في كتاب الله بمجرد الرأي, بل لابد أن يصدر في ذلك عن أثارة من علم ؛ لأن القول على الله عظيم , وقد كان الصحابة، رضوان الله عليهم، يسألون عن الحديث فيحدثون، فإذا سئلوا عن تفسير القرآن أمسكوا، تعظيماً للمقام؛ لأنهم يرون أن هذا قول على الله عز وجل، وتوقيع عن رب العالمين، فكانوا يتحرجون غاية الحرج، أن يقولوا في كتاب الله مالا يعلمون. فالواجب على الإنسان ألا يخوض فيما لا يعلم, ويروى عن عمر، رضي الله عنه، أنه ساءل نفسه عن " الأب " ثم قال، إن هذا لهو التكلف يا عمر! وقد يكون هذا مشكلاً, فقد يفهم بعض الناس من هذا الأثر، وهو صحيح، أن الإنسان لا يسأل عما خفي عليه, لكن لا يظهر أن هذا هو مراد عمر، رضي الله عنه, وإنما كره أن يقول فيه بلا بينة، فعد ذلك تكلفاً، أن يستنبط شيئاً بلا جزم ولا يقين. وربما كان هذا اللفظ " الأب " ليس من لغة قريش، فخفي على عمر، رضي الله عنه؛ فإن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فبعض ألفاظه ومفرداته، قد لا تكون من لغة قريش, وإنما من لغة بعض أحياء العرب، فخفي على عمر، فنهى نفسه أن يتعجل قولاً بلا جزم ولا بينة، فقال: إن هذا لهو التكلف. ولكن هذا لا يعني أن لا يسأل الإنسان عن معاني ما أنزل الله تعالى على نبيه, لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك شاذة، ولا فاذة، إلا بينها، كما قال تعالى : ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم ) , وقال : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ ) , وقال : ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ ) , وقال : ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) , وقال : ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) , فلابد من تعقل القرآن جميعه، ومعرفة مفرداته، وتراكيبه, ولكن هذا لا يكون بمجرد الرأي المحض، لابد من تفسيره بالمأثور، وقد بين ابن عباس، رضي الله عنهما أن تفسير القرآن على أربعة أضرب :
الوجه الأول : تعرفه العرب من لغتها : مثل معرفة " غَاسِقٍ " , و " وَقَبَ " , و " الرَّقِيمِ " , و " الأب " ونحو ذلك، فهذا يطلب من علوم العربية ، وقد كانوا ينشدون الأشعار، ويحفظون الشواهد، التي يفسر بها القرآن, وقد جرى بين ابن عباس، رضي الله عنهما، ونافع بن الأزرق سجال في هذا, وكان ابن عباس يستدل على معنى كل لفظة، ببيت من شعر العرب .
الوجه الثاني : ما لا يعذر أحد بجهالته : وهو المعلوم من الدين بالضرورة. فإذا قال الله تعالى : ( أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) , فليس لقائل أن يقول: المقصود بالصلاة هنا الدعاء. لأن الشرع أتى بمعنى اصطلاحي للصلاة، وأنها عبادة ذات أقوال، وأفعال، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم. هكذا.
الوجه الثالث : ما يعلمه العلماء : وهو الذي يحتاج إلى طلب، ورواية، ودراية؛ كمعرفة الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والخاص والعام.
الوجه الرابع : مالا يعلمه إلا الله، فمن أدعى علمه فهو كاذب : والمقصود به الكيفيات، وحقائق المغيبات, فهذا لا يمكن أن يعلمه إلا الله. فإذا أخبر سبحانه وتعالى أنه ( عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) فإننا نثبت الاستواء، ونثبت معناه؛ أنه العلو, لكننا لا ندرك كيفيته، فكيفيته لا يعلمها إلا الله. الاستواء معلوم ، والكيف مجهول. وإذا أخبر الله تعالى، عن ما يقع في اليوم الآخر؛ من النفخ في الصور، والبعث، والنشور، والحشر، والصراط، والميزان, فإننا نعلم هذه المعاني من حيث اللغة , لكن لا ندرك الكيفيات, فهذا مما أستأثر به الله تعالى بعلمه، أي بعلم كيفيته .
( مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ) : " متاعاً " أي منفعة مؤقتة؛ لأن المتاع يدل على النفع، ويدل على الاستمتاع. والاستمتاع لابد أن يكون موقوتاً. فهذه المذكورات فيها منفعة لكم، وفيها منفعة لأنعامكم. ثم لاحظ أن هذه الأنعام تحيل ذلك إلى طعام؛ فيؤخذ منها اللبن، ويؤخذ منها الزبد، والسمن، واللحم. إذاً هي أيضاً تعود إلى الطعام، فتدخل في عموم قوله ( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ).
فهذه الجولة في هذه المكونات الغذائية، التي ينبتها الله تعالى على وجه الأرض، ويتناولها الناس، تجعل الإنسان في موقف المتدبر لطعامه، من حين أنزل الله المطر من السماء، إلى أن وصلت إلى فيه. هذه المراحل تستدعي منه النظر، والاعتبار، والتفكر.
( فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ) : الصاخة: اسم من أسماء الساعة. وسميت بذلك لأنها تصخ الآذان لشدة صوتها، فهي صيحة مرعبة، مدوية.
( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ): هذا وصف لتفاصيل القيامة، وهو مشهد مرعب، مفزع , أقرب الناس إليه، من يتمنى أن يفديهم في دنياه ، وأن يدفع عنهم الأذى ، ويتمنى أن يصيبه دونهم , يوم القيامة، يفزع منهم، وينفض يديه منهم، ويفر منهم , لا أحد ينعطف على أحد، ولا أحد يلتفت على أحد. حتى أخيه الذي درج معه في مراتع الصبا، لا يباليه يوم القيامة، ولا يلتفت إليه .
( وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ) : سببا وجوده في هذه الحياة، أحن الناس عليه، وأشفقهم به , يفر منهم. يسألانه حسنة واحدة، فلا يبذلها لهما, يقول نفسي! نفسي! النجاء! النجاء!
( وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ) : الصاحبة: هي الزوجة، ألصق الناس به, والتي جعل الله بينه وبينها، في هذه الدنيا مودة، ورحمة،يوم القيامة، يفر منها, وفلذة كبده، وبضعة منه، يفر منه يوم القيامة .
لا ريب أن هذا يدل على هول المطلع، وعظم الموقف، وأن الإنسان ما كان ليبدر منه هذا التنصل من أقرب الناس إليه، إلا لشدة الحال. ولو تأملت في حياتك الدنيا، لوجدت أنك لو رأيت بعض هؤلاء الأحبة يغرق لألقيت نفسك عليه، لتستنقذه، وربما تهلك معه, وإذا وجدته يحترق، ربما ألقيت نفسك عليه، وإذا فقدته لحقك حزن عظيم، وهم، واكتئاب. لكن تأمل ! يوم القيامة، لا مكان لهذه المشاعر، لأن المرء يدرك أن أمامه مصير مستديم، وهول عظيم، يريد أن ينجو بنفسه، يريد أن ينقذ ذاته، لا يلوي على أحد .
( لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) : يعني يغنيه عن النظر إلى غيره
كلانا غني عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا
( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَة ٌ) : في ذلك الموقف العصيب يتمايز الناس؛ فمن خافه في الدنيا، أمنه في الآخرة, ومن أمنه في الدنيا، أخافه في الآخرة. وإنما عبر الله تعالى عن الذوات بالوجوه، لأن الوجه هو مرآة الإنسان، بل هو مرآة القلب فتظهر انفعالات القلب على الوجه, فالوجه صفحة ظاهرة، تنبيء عما في الباطن. ومعنى ( مسفرة ) مضيئة مستنيرة, ووصف الوجوه بأنها ( ضَاحِكَةٌ ) لأن الضحك يرى في الوجه, والضحك يكون من فرح، ومن أنس، ومن موعود حسن, ومعنى ( مستبشرة ) أي فرحة، متفائلة، لما تنتظر ما عند الله عز وجل من النعيم، والفضل. جعلنا الله وإياكم منهم .
( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ) : كالحةٌ مظلمةٌ .
( تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ) : أي سواد، وظلمة، كما قال الله في الآية الأخرى : ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ) .
( أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ) : جمعوا بين فسادين؛ بين فساد القلب، وفساد العمل, فساد القلب دل عليه وصفها بالكفر، وفساد العمل دل عليه وصفها بالفجور.

الفوائد المستنبطة :
الأولى :فضيلة التفكر في نعم الله وآلائه , والدعوة إلى ذلك.
الثانية : بديع صنع الله في النفس، والآفاق.
الثالثة : كرم هذه الثمرات، والنباتات, لأن الله تعالى ما خصها بالذكر إلا لمزيد مزيتها.
الرابعة : وجوب شكر المنعم وعبادته ؛ لأنه قال ( مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ).
الخامسة : عظم أمر الساعة، وهول أحوال يوم القيامة.
السادسة : تبرؤ الإنسان من أقرب الناس إليه يوم القيامة.
السابعة : أن الجزاء من جنس العمل.
الثامنة : أن الكفر كفران؛ كفر اعتقادي، وكفر عملي ( أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) , لأن الموصوف




رحمك الله يا سمية

رقم العضوية : 8411
الإنتساب : Jan 1970
المشاركات : 16,376
بمعدل : 0.93 يوميا

شمائل غير متواجد حالياً عرض البوم صور شمائل


  مشاركة رقم : 54  
كاتب الموضوع : شمائل المنتدى : التفسير قديم بتاريخ : 04-23-2013 الساعة : 12:00 PM

سورة النازعات
المقطع الأول
وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً
سميت هذه السورة الكريمة بالنازعات ؛ لورود هذا اللفظ في مستهلها , ومقاصد هذه السورة قريبة من مقاصد سورة النبأ , فإن فيها ما في القرآن المكي من المقاصد العقدية :
فمن مقاصدها : إثبات البعث , وبيان أهوال يوم القيامـة .
ومن مقاصدها : بيان مصارع المكذبين بالبعث ، كما في قصة فرعون .
ومن مقاصدها أيضاً : تقرير توحيد الربوبية، المقتضي لتوحيد الإلوهية. كما في قوله في بقية السورة : ( أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ) , وما بعدها .
ثم أخيراً من مقاصدها : إثبات أفعال العباد , وترتب الثواب والعقاب عليها .
ويمكن تقسيم هذه السورة إلى مقاطع ذات وحدة موضوعية متميزة , فمنها الآيات الخمس الأول يقول الله عز وجل : ( وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً (5)) , هذه أمورٌ خمسة أقسم الله - سبحانه تعالى - بها , ولله - عز وجل - أن يقسم بما شاء من مخلوقاته. قيل في هذه الخمس جميعاً أن المراد بها الملائكة , وقيل أقوال أخر.
( وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً ) أي : الملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعاً شديداً , وتجذبها جذباً أليماً . فمعنى ( غرقاً ) أي : شديداً , من الاستغراق بالفعل، فهو نزع شديد , كما جاء موصوفاً في حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - : " كما ينزع السفود من الصوف المبلول " , فإن روح الكافر عند القبض، تتفرق في أنحاء جسده , فإذا نزعتها الملائكة وقالت: (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) [الأنعام/93] , تتفرق روحه في جسده , فينزعها الملك نزعاً شديداً . هكذا قيل في تفسير ( والنازعات غرقاً ) , وهو مروي عن جمع من الصحابة - رضوان الله عليهم - , وقيل في تفسير ( النازعات ) : أي الموت ، كما يقال نزعات الموت , أو نزع الموت , وقيل أيضاً أن المراد بالنازعات : النجوم التي تنزع من جهة إلى جهة , وتتحرك من جهة إلى أخرى , فهي تنزع من جانب من السماء إلى جانب , وتنتقل من منزل إلى منزل, وقيل المقصود بالنازعات: القسي الذي يكون فيها السهم , فكأن الله تعالى أقسم بهذه القسي حينما تنزع إلى منتهاها , وقيل في تفسير ( النازعات ) النفس .
هذه أقوال خمسة , وأقرب هذه الأقوال هو القول الأول , وهو أن المراد بالنازعات الملائكة حين تنزع أرواح الكفار من أجسادهم .
( وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ) أحسن ما قيل فيها : الملائكة حينما تسل أرواح المؤمنين سلاً رفيقاً , كما جاء موصوفاً في حديث البراء بن عازب : " فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين " , وسل الشعرة من العجين أرفق ما يكون , لا صوت، ولا ألم . فأقسم الله بالملائكة حينما تسل أرواح المؤمنين من أبدانهم . وقيل فيها أيضاً ما قيل في سابقتها ؛ أن المقصود بالناشطات الموت ، أو النجوم حينما تنشط من جهة إلى جهة، وقيل فيها أيضاً المقصود بالناشطات : الأوهاق، يعني الحبال التي ترمى بها الأنشوطة, فيسحب بها مثلاً الصيد , والأنشوطة : حبل يكون فيه كالعقدة، يرمى على الشيء البعيد، فيجر به .
( والسابحات سبحاً ) , الأصل في السبح العوم في الماء، وأيضاً في الهواء , فالسبح لا يكون فقط في الماء، بل يكون في الهواء أيضاً, ولهذا يوصف الجواد بأنه سابح
أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب
وأولى الأقوال، كما أسلفنا، أن المراد بها الملائكة حينما تعرج في أجواز الفضاء صعوداً، وهبوطاً، بأمر الله عز وجل , فإن الملائكة كما أخبر الله : ( تعرج الملائكة والروح إليه ) , وقال : ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ) , فالملائكة تصعد وتهبط بأمر الله عز وجل , وقيل في ( السابحات ) أيضاً ما قيل في ما قبلها؛ أن المراد بها الموت, وقيل أن المراد بها النجوم ؛ لأنها تسبح في فضاء الله عز وجل, وقيل فيها أيضاً السفن؛ لأنها تمخر اليم فهي تسبح فيه في الواقع .
( فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً ) هذه الفاء للتفريع تدلنا على أن جميع المذكورات شيء واحد , وصفات لموصوف واحد , فالمذكورات السابقة النازعات , والناشطات , والسابحات هي لموصوف واحد وهي الملائكة على القول الراجح , وأنها ليست أنواعاً يعني ليست النازعات شيء , والناشطات شيء , والسابحات شيء , بل كل هذه صفات لجنس واحد ؛ لأنه أتى بعد ذلك بالفاء للتفريع على ما مضى .
( فالسابقات سبقاً ) أي : الملائكة تتسابق في امتثال أمر الله , وتنفيذ ما يطلب منها من أنواع الوظائف التي أناطها الله بها. وقيل أيضاً أن المراد بالسابقات: الموت كما قيل فيما مضى , وقيل المراد بها الخيل ؛ لأن السابقات مما توصف به الخيول كما قال الله تعالى : ( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً ) فهن يعدون ويتسابقن, وقيل أيضاً: المراد بها النجوم ؛ لتسابقها في المطالع والمغارب .
وأولى الأقوال هو القول الأول كما أسلفنا.
( فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ) أما المدبرات فإنها بإجماع المفسرين: الملائكة , فهي تدبر الأمر الذي يأمرها الله تعالى به. وهذه الجملة الأخيرة، التي هي الوصف الخامس، تؤيد أن جميع ما مضى صفات لموصوف واحد ؛ لأن الله تعالى عطف المدبرات على السابقات , والسابقات جاءت مصدرة بالفاء التي تفيد التعقيب , فهذا يرجح بقوة أن النازعات , والناشطات , والسابحات , والسابقات , والمدبرات كلها طوائف من الملائكة، أناط الله تعالى بها أعمالاً ووظائف .
هذه الآيات الخمس عبارة عن قسم , بين الله تعالى المقسم به ولم يبين جواب القسم ؛ والظاهر والله أعلم، أن الله تعالى أخفاه إما تعظيماً لشأنه , وإما لشهرته ؛ لكونه هو الأمر الذي كان يجري الخلف فيه مع مشركي العرب، وهو البعث . فتقدير جواب القسم : لتبعثن. كأن الله تعالى يقول والنازعات، والناشطات، والسابحات , فالسابقات ، فالمدبرات لتبعثن. فيكون المعنى الإجمالي لهذه الآيات الخمس أن الله تعالى أقسم بطوائف من الملائكة منها النازعات التي تنزع أرواح الكفار بشدة ، والناشطات التي تنشط أرواح المؤمنين بيسر وسهولة ، والسابحات التي تسبح في أجواز الفضاء صعوداً وهبوطاً ، والسابقات التي تتسابق في إنفاذ أمر ربها ، والمدبرات التي تدبر ما أمرها الله تعالى بتدبيره مما يقع في الكون , أقسم الله تعالى بهذه الطوائف من الملائكة على أمر عظيم جليل , عليه مدار الحياة، وإقامة الحق, وهو البعث بعد الموت، الذي كان ينكره مشركو العرب، ولا ريب أن هذه القضية قضية عظيمة ثقيلة يتأثر بها مسار الحياة؛ فإن من امتلأ قلبه بالإيمان باليوم الآخر، انضبط، وصار عنده حس يقظ , وصار عنده تخطيط، وشعور بالمسؤولية لما هو مقبل عليه .
ونستفيد من هذه الآيات الخمس الفوائد التالية :
أولاً : إقسام الله تعالى بما شاء من مخلوقاته , فلله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته , وليس للمخلوق أن يقسم إلا بالله وحده. فمن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك , أما الله عز وجل فله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وآياته الكونية، والشرعية .
ثانياً : إثبات الملائكة، وأعمالهم. والإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان. والملائكة عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور, وسخرهم لعبادته وطاعته , فهم يسبحون الليل والنهار لا يسئمون , ولا يفترون , ولا يستحسرون. وقد جعل الله تعالى طبيعتهم طبيعة تعبدية، لا ينزعون إلى الشر أبداً، على النقيض من الشياطين الذين جعل الله طبيعتهم طبيعة تمردية. وبين الطائفتين الإنسان؛ فإن الإنسان ليس كالملك لا ينزعه إلا الخير, وليس كالشيطان لا ينزعه إلا الشر, بل هو كما قال الله تعالى : ( ونفس وما سواها , فألهمها فجورها وتقواها , قد أفلح من زكاها , وقد خاب من دساها ) , فالإنسان بين بين , فهو إن زكى نفسه صارت نفسه ملائكية؛ يعني طائعة لله عز وجل لا أنه يكون ملكاً, لكن تصبح نفسه نفساً مطيعة لله عز وجل منقادة كالملائكة, وإن كانت الأخرى صارت نفسه شيطانية .
ثالثاً : أن إخفاء المقسم عليه يكون للتعظيم , أو للشهرة , فالله تعالى قد أخفى المقسم عليه، وهذا يزيد الأمر جلالةً ومهابةً .




رحمك الله يا سمية

رقم العضوية : 8411
الإنتساب : Jan 1970
المشاركات : 16,376
بمعدل : 0.93 يوميا

شمائل غير متواجد حالياً عرض البوم صور شمائل


  مشاركة رقم : 55  
كاتب الموضوع : شمائل المنتدى : التفسير قديم بتاريخ : 04-23-2013 الساعة : 12:01 PM

تفسير سورة النازعات
المقطع الثاني
( يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ) . تسع آيات ذات وحدة موضوعية واحدة .
( يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) ) : هذا الظرف متعلق بما أضمر، وتقديره: لتبعثن يوم ترجف الراجفة. والراجفة: قيل في تفسيرها: النفخة الأولى التي يحصل بها الصعق، والرادفة النفخة الثانية التي يحصل فيها البعث. ولا ريب في وجود نفختين، فإن الله سبحانه وتعالى قال : ( ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) فالنفختان هما: نفخة الصعق , ونفخة البعث. وأضاف بعض العلماء نفخة ثالثة، سموها نفخة الفزع , واستدلوا لذلك بأحاديث. وقيل أيضاً في تفسير الراجفة: أنها النفخة الأولى ، وأن الرادفة هي النفخة الثانية , وقد ورد هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقيل: إن المراد بالراجفة هي الأرض نفسها؛ لقول الله تعالى : ( يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيباً مهيلاً)، والرادفة: السماء؛ لكون انشقاق السماء يأتي بعد ذلك, فتكون الراجفة الأرض حين ترجف , والرادفة السماء حين تنشق. ولعل ما ذهب إليه ابن عباس أقرب .
( قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) ) : صور الله سبحانه وتعالى، مظاهر الفزع، والخوف، ظاهراً، وباطناً ؛ أما الباطن ففي قوله : ( قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ) أي : خائفة , والخوف محله القلب وأي خوف أعظم من ذلك الخوف الذي لا يدرى صاحبه إلى أين يصار به؛ إلى جنة أم إلى نار ؟ تخيل نفسك في بعض مواقف الدنيا، في أمر دنيوي عما قليل تتجاوزه، وتشتغل بغيره؟ فكيف بهذا الأمر الأبدي، السرمدي، الذي هو نهاية حال العبد ؛ فلذلك كانت القلوب واجفة .
( أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ) : أبصار أصحاب القلوب خاشعة، أي: ذليلة؛ لأن الخشوع هو الهبوط. ولا ريب أن القلب هو سر العبد الداخلي, ولا ريب أن العين، أعظم ما يظهر عليه الأثر. العين هي المرآة التي تكشف عما في القلب. ولما وصف الله حال الظالمين، قال : ( ينظرون من طرف خفي )! فالطرف، والنظر، ينبأ عما في القلب فهو مرآته العاكسة. والخشوع يدل على الهبوط, قال تعالى: ( وترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ) .
( يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ) : تساؤل عجيب! يكشف عن قلق، وتوتر، وعجب لا ينقطع. (لمردودون) يعني: معادون , ( في الحافرة ) الحافرة: هي الحياة بعد الموت. يعني أنعود نحيا بعد أن متنا , كما وصف الله عز وجل هذا في موضع آخر: ( ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ) والنسلان هو الإسراع في المشي, ( قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا ) ما كانوا يتوقعون هذا ولا يأملون ؛ لأنهم كانوا منكرين للبعث, ( هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) , فيالها من مفاجأة , وأي مفاجأة ! صدمة هائلة لهؤلاء المنكرين للبعث. وتأمل وقع هذه الآيات عليهم في الدنيا، وهم ينكرون البعث, لا ريب أن مثل هذه الآيات هزت كثيراً من القلوب ودعتها إلى الإيمان , إلا من أبى. وقيل في تفسير الحافرة، أي: الأرض؛ يعني: أنحن مردودون إلى الأرض التي كنا نسكنها ؟ وقيل، وهو قول بعيد: (الحافرة) النار. ولا يستقيم هذا مع قولهم ( لمردودون ) ؛ لأنهم ما كانوا فيها حتى يردوا إليها. وأصل الحافرة في لغة العرب: رجوع المرء من الطريق الذي أتى منه. تقول العرب : " رجع فلان إلى حافرته " كأن الإنسان إذا سلك درباً حفر أثره في طريقه, فإذا قيل رجع فلان إلى حافرته، كأنما قيل رجع أدراجه يعني رجع على سيرته، وخطته التي مشاها.
( أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً ) : يعني بعد أن كنا عظاماً، بالية، فانية, فارغة يصوِّت فيها الريح ؛ لأنها لما بليت، صارت مجوفة، فصارت الريح تصفر فيها، تدخل، وتخرج. وقيل أيضاً من معاني نخرة: مرفوتة، يعني مدقوقة محطمة .
( قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ) : يعني إن كان الأمر كذلك، فهذه رجعة لا خير فيها، والعياذ بالله؛ لأنهم يعلمون أنهم أساءوا في الأولى، فهم غير متفائلين لهذه الرجعة، فلذلك حكموا على رجعتهم بأنها خاسرة ،لا خير فيها .
( فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ) : يعني كل ما في الأمر, فالأمر هين بالنسبة لله عز وجل، أنها زجرة واحدة، وحسب. , والزجرة: هي الصيحة, لكنها بهذا التعبير زجرة تعطي معنىً أشد، من كلمة صيحة, ففيها معنى العنت، والعنف, زجرة واحدة، لا مثنوية فيها .
( فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ) : يعني فإذا القوم تنشق عنهم قبورهم، ويبعثون ؛ ليكونوا في الساهرة, والساهرة: هي الأرض بعد التبديل. يقول الله عز وجل : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار ), فالأرض التي يبعث عليها الناس، أرض كالقرصة, وكالخبزة , ليس فيها معلم لأحد؛ فإن الله أخبر أن الجبال تدك، فتصبح: (قاعاً صفصفاً . لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ) , مشهد مهيب، مهول, تعود الأرض ممدودة كمد الأديم، ليس فيها معلم لأحد؛ لا جبل يشرف منه الإنسان، ولا وادٍ يُكنُّه, بل يصبح الناس على حد سواء. هذه هي أرض المحشر. وقيل في تفسير الساهرة أي: أنها اسم مكان معروف من الأرض في الشام, وقيل : إنه جبل إلى جانب بيت المقدس. وأقرب هذه الأقوال أن الساهرة هي الأرض التي تكون بعد التبديل, أرض ليست كأرضنا التي نحيا عليها الآن, بل أرض مهيأة لاجتماع الخلائق عليها, منذ آدم عليه السلام إلى آخر من يموت على وجه الأرض, ليس الآدميين فحسب، بل كما سيأتي إن شاء الله , ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ) , فالعشار, والوحوش, وكل شيء يجتمع على تلكم الأرض .
هذه الآيات العظيمة تتضمن إقرار عقيدة البعث، بأوضح ما يكون، وبأشد ما يكون! فالله سبحانه وتعالى يبدأ بذكر ما يجري يوم القيامة؛ من رجف الأرض, فيخبر الله عز وجل بأن هذه الأرض المستقرة، التي امتن علينا باستقرارها في موضع، فقال : ( أمن جعل الأرض قراراً ), ضع يدك على الأرض تحس أنها مستقرة, لم يدر بخلدك يوماً أن تتحرك، وتهتز, هذه الأرض ترجف ( يوم ترجف الراجفة ) , ورجف الأرض مقارن للنفخة الأولى, فلا تعارض بين التفسيرين, ولا مانع من الحمل عليهما معاً, (تتبعها الرادفة) نفخة أثر نفخة. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أن بينهما أربعون, فقيل : أربعون سنة؟ قال : أبيت، فقيل: أربعون شهراً ؟ قال : أبيت , قيل: أربعون يوماً ؟ قال : أبيت . فالله أعلم، بأي تقدير تلك الأربعين,. ويكون حال الناس، ما وصف الله تعالى من وجف القلوب، واضطرابها, ومن خشوع الأبصار وقلقها، وحيرتها، فزعاً مما هي مقبلة عليه. ويتساءل المنكرون للبعث في ذلك المقام، تساءل المشدوه، الفزِع، المصدوم: ( أإنا لمردودون ) لما كنا فيه من حياة, معادون للأرض التي كنا نسكنها ؟ يا لها من خسارة فادحة ! فهم قد علموا من حالهم أنهم كانوا مكذبين، وحق عليهم ما توعدهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم، فأدركوا أن أمرهم في خسار، وسفال, فلذلك جزموا ( تلك إذاً كرة خاسرة ) , وبين الله تعالى أن الأمر حق، لا مثنوية فيه : ( فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ) .
هذه الآيات تضمنت العديد من الفوائد منها :
الأولى : إثبات النفختين.
الثانية : عظم شأن الساعة. ولهذا كان من رحمة الله عز وجل أن الساعة، لا تقوم على مؤمن , لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق .
الثالثة : بيان مظاهر الخوف؛ الظاهرة، والباطنة؛ الباطنة في القلوب , والظاهرة في الأعين
الرابعة: صدمة الكفار يوم القيامة, وشدة ندمهم .

.




رحمك الله يا سمية

رقم العضوية : 8411
الإنتساب : Jan 1970
المشاركات : 16,376
بمعدل : 0.93 يوميا

شمائل غير متواجد حالياً عرض البوم صور شمائل


  مشاركة رقم : 56  
كاتب الموضوع : شمائل المنتدى : التفسير قديم بتاريخ : 04-23-2013 الساعة : 12:02 PM

تفسير سورة النازعات
المقطع الثالث
( هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ) : ما أجمل التعبير القرآني وألذه , وما أحسن سبكه ونظمه، حينما ينتقل من أسلوب إلى أسلوب , فقد أتى بطريقة الاستفهام، لتنبيه الأفهام، ولفت الأنظار. والمخاطب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم , وما من قصة جرى تكرارها في القرآن، كقصة موسى ! كثيراً ما يذكر الله عز وجل، قصة موسى، عليه السلام، في القرآن، ويعرضها بصور متنوعة. وسر ذلك، والله أعلم، ما تضمنته قصة موسى عليه السلام من المواقف الجليلة، والعبر العظيمة ، ولتشابه حال موسى، عليه السلام، بحال محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن موسى عليه السلام أخرج أمته من الكفر، والظلم، والبغي, وأسس دولة كما محمد صلى الله عليه وسلم. ولأن اليهود كانوا شوكة في جنب المسلمين في المدينة، فأراد الله أن يبين حالهم، وأخلاقهم، وصنيعهم مع نبيهم.
وها هنا إشكال ! قد يقول قائل : أليس الله تعالى ذكر ما يدل على أن قصة يوسف أحسن القصص؛ فإنه قال بين يدي سورة يوسف : (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القران وإن كنت من قبله لمن الغافلين), فلم لم يقع تكراررها، كما تكررت قصة موسى؟
والجواب: أن قصة يوسف، عليه السلام، قصة من القصص, وقصص غيره من الأنبياء أعظم فائدة , فإن أنباء الرسل، وما جرى بينهم وبين أقوامهم من المسائل حول الكفر والإيمان، أكثر أهمية من قصة يوسف عليه السلام. فلا يلزم أن يكون هذا الاستهلال في أول سورة يوسف خاصاً بتلك القصة, وإنما هو وصف لقصص القرآن جميعاً, لكن، لما كانت هذه السورة من أولها إلى آخرها قصة، ناسب ذكر ذلك في أولها. وربما يقال : أنه أتى بهذا التعبير " أحسن القصص " بين يدي قصة يوسف، لأنها من الناحية القصصية البحتة، فيها ما ليس في غيرها من السور, من عنصر المفاجأة, والتنقل من حال إلى حال, ومن نعمة إلى نقمة, ومن نقمة إلى نعمة, ومن منحة إلى محنة, ومن محنة إلى منحة, ومن عز إلى ذل, ومن ذلً إلى عز. ففي هذا التنوع، من الناحية القصصية الفنية البحتة ما ليس في سواها من القصص.
(إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) : لم يسق سبحانه جميع قصة موسى هنا, وإنما ذكر سبحانه موقفاً هاماً، مؤثراً، عظيماً، جليلاً, وهو تكليم الله له تعالى له دون واسطة . فإن موسى، عليه السلام، لما سار بأهله من صحراء مدين، وقارب الطور، آنس ناراً فقصدها, فلما اقترب من النار كلمه الله عز وجل. فكان هذا الموقف بالنسبة لموسى أشرف موقف، ولا ريب.
( إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ ) : والمناداة هي الصوت لمن بعُد , كما أن المناجاة هي الصوت لمن قرب, ( وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً ) فالمناجاة للقريب، والمناداة للبعيد.
( بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) : المقدس: المطهر, واسمه طوى , هكذا رجح ابن كثير، رحمه الله، وغيره. وقيل : أنه بمعنى طء , يعني أمر لموسى بالوطء، والسير عليه. وقيل: معنى طوى : الذي طويته, أي طويته يا موسى وسرت فيه. وقيل : أن طوى: بمعنى مرتين , يعني: إذ ناده ربه بالواد المقدس مرتين, وكأنه قصد بالمرتين المناداة، والمناجاة, فصارت الأقوال في معنى " طوى " أربعة، أقربها أنها اسم للوادي .
( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ ) : هذا هو نص النداء، نص تكليم الرب لموسى الكليم. وفرعون لقب يطلق على من ملك مصر من أهلها. وفي سورة يوسف سمى الله صاحب مصر ملكاً فقال: ( وقال الملك أتوني به ). وفي هذا إشارة إلى أن ملوك مصر زمن يوسف، عليه السلام، غير الفراعنة، وهم (الهكسوس). وهؤلاء (الهكسوس) قبائل أغارت على مصر في فترة معينة، إبَّان حكم الأسر الفرعونية المتعاقبة. أما في زمن موسى، عليه السلام، فقد عاد الفراعنة إلى ملك مصر . والمقصود أن (فرعون) لقب لمن ملك مصر، كما أن (كسرى) لقب لمن ملك الفرس, و(قيصر) لقب لمن ملك الروم , و(المقوقس) لقب لمن ملك القبط, و(النجاشي) لقب لمن ملك الحبشة , و(الخاقان) لقب لمن ملك الترك, وهكذا .
( إِنَّهُ طَغَى ) : أي تجاوز الحد وتمرد وتجبر، قبحه الله، فكان يقتل أبناء بني إسرائيل, ويستحيي نسائهم. وبلغ به الأمر أن خرج على قومه مرة بصورة المجتهد، المستفرغ لطاقته، واجتهاده، ونصحه، قائلاً : (ما علمت لكم من إله غيري)!
( فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ) : انظر هذا التلطف في الدعوة! لم يقل له: زكِّ نفسك! بصيغة الأمر, وإنما تلطف في الأسلوب فقال له : ( هل لك ) يعني: أدعوك، وأعرض عليك (أن تزكى). والتزكية تعني التطهر، بتنقية النفس من شوائب الشرك, والغل, والأخلاق الرذيلة, والتصرفات القبيحة .
( وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ) : وهذا لون آخر في التلطف, فإنه وضع نفسه بموضع الهادي، والدليل كأنما يقول: أنا كالذي يمشي بين يديك, والدليل الذي يدلك على الدرب. وهذا من التواضع في الدعوة لأنه يخاطب ذا سلطان, ومعلوم أن الخطاب لأصحاب المقامات، والوجاهات، ليس كالخطاب لآحاد الناس, فينبغي أن ينزل الناس منازلهم. ويقال إن واعظاً دخل على أحد الخلفاء، فوعظه موعظة جافة, فيها غلظة, فقال له الخليفة : يا هذا! إن الله قد بعث من هو خير منك, إلى من هو شر مني, فقال : ( فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ), ولا ريب أن الله تعالى يعطي على الرفق مالا يعطي على العنف .
وفي قوله: (إلى ربك ) تلطف أيضاً؛ حيث ذكَّره بربوبية الله له. وقوله: (فتخشى): أي يثمر ذلك لك خشية، وينقشع ما في قلبك من قسوة وغلظة.
( فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى ): عرض عليه أن يريه آية، قال: ( فأت بها إن كنت من الصادقين. فألقي عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) يعني: ألقى عصاه، فاستحال حيةً حقيقية، وأدخل يده في جيبه، ثم أخرجها، فإذا هي تبرق بيضاء، من غير سوء! آيتان عظيمتان، باهرتان، حتى إنه أرتج على فرعون, وأخذ يخبط في التهم. ومعنى ( الآية الكبرى ) أي العلامة الباهرة .
( فَكَذَّبَ وَعَصَى ) : يعني: ومع أنه تحدى، ولم يصمد أمام التحدي , فقد كذب وعصى .
( ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ) : وفوق ذلك، ما ترك الأمر مغلقاً، بل أدبر يسعى سعياً حثيثاً في الصد.
( فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) : أي جمع الناس، وأعلن قائلاً : ( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) يعني زاده ظهور الحق إصراراً على الباطل, حتى إنه قال لهامان، وزيره: (ابن لي صرحاً لعلى أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً ) وغير ذلك من صنوف الطغيان.
( فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى ) : اختلف المفسرون في هذا، فقيل : أن المراد بالآخرة: آخر كلامه, والأولى أول كلامه, فآخر كلامه " أنا ربكم الأعلى" , وأول كلامه "ما علمت لكم من إله غيري" , وقيل : أن المراد بالآخرة والأولى: الآخرة، والدنيا. فالله تعالى أذاقه عذاب الدنيا, وعذاب الآخرة؛ عذاب الدنيا بالغرق, ومن قبل الغرق الطوفان, والجراد, والقمل, والضفادع, والدم, وأما في الآخرة، فلا يخفى : ( أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) ؛ وإنما قدم الآخرة لأنها أشد, وقيل في تفسير الآخرة والأولى: يعني أول عمله، وآخره , وهو قريب من المعنى الأول .
( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ) : أي موعظة، وتوقظة، لمن في قلبه خشية, لأن الآيات، والمواعظ لا ينتفع بها إلا أهل الخشية .
فالمعنى الإجمالي لهذه الآيات: أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يضرب مثلاً للكافرين، المنكرين للبعث، بقصة جبار من الجبابرة الظالمين, وكيف كانت نهايته, فذكَّر الله تعالى بقصة موسى، عليه السلام، حينما أمره ربه أن يقصد فرعون بسبب طغيانه، وجبروته، وتمرده, وأن يعرض عليه مشروع الإيمان، وطريق الهدى، والخشية، والتزكية, فركب رأسه وأبى, وبالغ في إنكاره، وجبروته، وكفره، فادعى الربوبية، بعد أن كان قد ادعى الإلوهية . فكان من شأنه، أن أذله الله تعالى، وأخزاه خزياً ما بعده خزي, فأهلكه الله بألطف الأشياء وهو الماء, فأغرقه فيه, ثم يوم القيامة يحرقه بالنار. وفي هذا عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. فلينتبه هؤلاء المشركون، المنكرون للبعث، الذين يظنون أنهم إنما يمتعون في هذه الدنيا، ثم ينتهي كل شيء.
الفوائد المستنبطة :
الفائدة الأولى : عناية القرآن بقصة موسى، عليه السلام، وكثرة تكرارها، وتنوع عرضها .
الفائدة الثانية : إثبات صفة الكلام لله، سبحانه، بصفة المناداة, فهو يتكلم متى شاء كيف شاء بما شاء.
الفائدة الثالثة : أن كلام الله، عز وجل، متعلق بمشيئته؛ لأنه قال : ( هل أتاك حديث موسى , إذ ناداه) , و (إذ) تدل على ظرفية زمنية, فهذا يدل على أن الله يتكلم متى شاء، خلافاً للأشاعرة ، والكلابية، والسالمية ، وغيرهم من فرق الصفاتية، الذين يقولون إن كلامه هو المعنى القديم القائم في ذاته، وليس من صفاته الفعلية, بينما يعتقد أهل السنة إن كلام الله قديم النوع، حادث الآحاد, فهو قديم النوع بمعنى أن الكلام صفة ذاتية له باعتبار أصله , ولكنه يتجدد باعتبار آحاده، وأفراده .
الفائدة الرابعة : فضل موسى، عليه السلام. ولهذا يقال: موسى الكليم .
الفائدة الخامسة : فضل وادي طوى وشرفه ؛ لأن الله طهره فقال : ( بالواد المقدس طوى ) .
الفائدة السادسة : قبح الطغيان وفاعله , ( اذهب إلى فرعون إنه طغى ) , فالطغيان مرذول، مذموم.
الفائدة السابعة : التلطف في الدعوة, لاسيما مع أهل السلطان , فلكل مقام مقال.
الفائدة الثامنة : بيان غاية الدعوة وثمرتها, (فقل هل لك إلى أن تزكى , وأهديك إلى ربك فتخشى), إذاً غاية الدعوة التزكية, وثمرتها الخشية ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ), إذا أردت أن تقيس حالك فانظر خشية الله في قلبك. العالمون بالله حقاً هم أهل الخشية. لا تنظر إلى ما عندك من كتب, ودفاتر, بل انظر إلى ما في قلبك, فإن كان قلبك مخبتاً، خاشعاً لله عز وجل, فأنت من أهل العلم؛ لأن الخشية ثمرة هذا العلم. وإلا لا فائدة من كثرة المرويات, والمحفوظات، مع قسوة في القلب. وليس في هذا تقليل من أهمية التحصيل, ولكن على طالب العلم أن يوظف علمه في خشية الله, فإن العلم النافع، هو الذي يورث الخشية .
الفائدة التاسعة : تأييد الله تعالى لأنبيائه بالآيات, التي يسميها بعض العلماء المعجزات. فلما علم الله تعالى، أن من الناس من لا يستجيب إلا بآية ظاهرة، خارقة للعادة, أجرى على أيدي رسله هذه الآيات , ولم يكلهم فقط إلى مضمون الدعوة, بل نوَّع دلائل النبوة. وأعظم الأنبياء آية هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث الصحيح ( ما من نبي إلا وقد أتاه الله من الآيات ما على مثله يؤمن البشر , وإنما كان الذي أوتيته قرآن يتلى ), فأعظم آيات نبينا، صلى الله عليه وسلم،القرآن العظيم, آية خالدة , وها نحن نقرأ هذه الآيات العظيمة فنعجب، وننبهر، ونندهش من تأثيرها, ومعانيها, وحكمها.
الفائدة العاشرة : غلظ كفر فرعون, وشدة عناده. ولا يعلم أحد من البشر اشتهر بإنكار الربوبية مثل فرعون, فإنه أنكر ربوبية الله، وادعاها لنفسه, أنكرها بقوله : (وما رب العالمين), وادعاها لنفسه في قوله: (أنا ربكم الأعلى) , فلذلك صار مضرب المثل في الكفر، الجبروت، والإلحاد .
الفائدة الحادية عشرة : شدة أخذ الله للظالم الطاغي, ( إن أخذه أليم شديد ).
الفائدة الثانية عشرة : وجوب الاعتبار, والاتعاظ بمصارع الظالمين, ( إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ) .
الفائدة الثالثة عشرة : أن الخشية سبب الانتفاع بالمواعظ, لأن صاحب القلب القاسي مهما رأى, ومهما سمع, ومهما وقع له, مقفل على قلبه, أما صاحب القلب اليقظ الواعي , الذي تسري فيه نسائم الخشية يتأثر, تأمل في حال أهل العلم النافع: ( إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً , ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً , ويخرون للأذقان يبكون , ويزيدهم خشوعاً ) , ما الذي أبكاهم ؟ مجرد آيات طرقت أسماعهم , لكن هذه الآيات ليست مجرد حروف معجم، بل حروف ذات معاني , لامست أوتاراً حساسة في قلوبهم, فانفعلت تلك القلوب, وهملت تلك العيون, وخرت تلك الأعضاء خروراً، من أعلى إلى أسفل ( يخرون للأذقان سجداً ) يجعلون أذقانهم في الرغام إجلالاً لله, وخشية له,. وتأمل في حال مؤمني أهل الكتاب: ( وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ), وأخبر الله تعالى عنهم في موضع آخر، فقال : ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق , يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ). فليحرص كل مؤمن على أن يضمخ قلبه بخشية الله, هذه خشية تلين القلب , وتجعله حسن الاستقبال للمواعظ والعبر, والآيات الكونية والشرعية. نسال الله أن يرزقنا خشيته في السر والعلن .




رحمك الله يا سمية

رقم العضوية : 8411
الإنتساب : Jan 1970
المشاركات : 16,376
بمعدل : 0.93 يوميا

شمائل غير متواجد حالياً عرض البوم صور شمائل


  مشاركة رقم : 57  
كاتب الموضوع : شمائل المنتدى : التفسير قديم بتاريخ : 04-23-2013 الساعة : 12:03 PM

تفسير سورة النازعات
المقطع الثالث
( هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ) : ما أجمل التعبير القرآني وألذه , وما أحسن سبكه ونظمه، حينما ينتقل من أسلوب إلى أسلوب , فقد أتى بطريقة الاستفهام، لتنبيه الأفهام، ولفت الأنظار. والمخاطب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم , وما من قصة جرى تكرارها في القرآن، كقصة موسى ! كثيراً ما يذكر الله عز وجل، قصة موسى، عليه السلام، في القرآن، ويعرضها بصور متنوعة. وسر ذلك، والله أعلم، ما تضمنته قصة موسى عليه السلام من المواقف الجليلة، والعبر العظيمة ، ولتشابه حال موسى، عليه السلام، بحال محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن موسى عليه السلام أخرج أمته من الكفر، والظلم، والبغي, وأسس دولة كما محمد صلى الله عليه وسلم. ولأن اليهود كانوا شوكة في جنب المسلمين في المدينة، فأراد الله أن يبين حالهم، وأخلاقهم، وصنيعهم مع نبيهم.
وها هنا إشكال ! قد يقول قائل : أليس الله تعالى ذكر ما يدل على أن قصة يوسف أحسن القصص؛ فإنه قال بين يدي سورة يوسف : (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القران وإن كنت من قبله لمن الغافلين), فلم لم يقع تكراررها، كما تكررت قصة موسى؟
والجواب: أن قصة يوسف، عليه السلام، قصة من القصص, وقصص غيره من الأنبياء أعظم فائدة , فإن أنباء الرسل، وما جرى بينهم وبين أقوامهم من المسائل حول الكفر والإيمان، أكثر أهمية من قصة يوسف عليه السلام. فلا يلزم أن يكون هذا الاستهلال في أول سورة يوسف خاصاً بتلك القصة, وإنما هو وصف لقصص القرآن جميعاً, لكن، لما كانت هذه السورة من أولها إلى آخرها قصة، ناسب ذكر ذلك في أولها. وربما يقال : أنه أتى بهذا التعبير " أحسن القصص " بين يدي قصة يوسف، لأنها من الناحية القصصية البحتة، فيها ما ليس في غيرها من السور, من عنصر المفاجأة, والتنقل من حال إلى حال, ومن نعمة إلى نقمة, ومن نقمة إلى نعمة, ومن منحة إلى محنة, ومن محنة إلى منحة, ومن عز إلى ذل, ومن ذلً إلى عز. ففي هذا التنوع، من الناحية القصصية الفنية البحتة ما ليس في سواها من القصص.
(إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) : لم يسق سبحانه جميع قصة موسى هنا, وإنما ذكر سبحانه موقفاً هاماً، مؤثراً، عظيماً، جليلاً, وهو تكليم الله له تعالى له دون واسطة . فإن موسى، عليه السلام، لما سار بأهله من صحراء مدين، وقارب الطور، آنس ناراً فقصدها, فلما اقترب من النار كلمه الله عز وجل. فكان هذا الموقف بالنسبة لموسى أشرف موقف، ولا ريب.
( إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ ) : والمناداة هي الصوت لمن بعُد , كما أن المناجاة هي الصوت لمن قرب, ( وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً ) فالمناجاة للقريب، والمناداة للبعيد.
( بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) : المقدس: المطهر, واسمه طوى , هكذا رجح ابن كثير، رحمه الله، وغيره. وقيل : أنه بمعنى طء , يعني أمر لموسى بالوطء، والسير عليه. وقيل: معنى طوى : الذي طويته, أي طويته يا موسى وسرت فيه. وقيل : أن طوى: بمعنى مرتين , يعني: إذ ناده ربه بالواد المقدس مرتين, وكأنه قصد بالمرتين المناداة، والمناجاة, فصارت الأقوال في معنى " طوى " أربعة، أقربها أنها اسم للوادي .
( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ ) : هذا هو نص النداء، نص تكليم الرب لموسى الكليم. وفرعون لقب يطلق على من ملك مصر من أهلها. وفي سورة يوسف سمى الله صاحب مصر ملكاً فقال: ( وقال الملك أتوني به ). وفي هذا إشارة إلى أن ملوك مصر زمن يوسف، عليه السلام، غير الفراعنة، وهم (الهكسوس). وهؤلاء (الهكسوس) قبائل أغارت على مصر في فترة معينة، إبَّان حكم الأسر الفرعونية المتعاقبة. أما في زمن موسى، عليه السلام، فقد عاد الفراعنة إلى ملك مصر . والمقصود أن (فرعون) لقب لمن ملك مصر، كما أن (كسرى) لقب لمن ملك الفرس, و(قيصر) لقب لمن ملك الروم , و(المقوقس) لقب لمن ملك القبط, و(النجاشي) لقب لمن ملك الحبشة , و(الخاقان) لقب لمن ملك الترك, وهكذا .
( إِنَّهُ طَغَى ) : أي تجاوز الحد وتمرد وتجبر، قبحه الله، فكان يقتل أبناء بني إسرائيل, ويستحيي نسائهم. وبلغ به الأمر أن خرج على قومه مرة بصورة المجتهد، المستفرغ لطاقته، واجتهاده، ونصحه، قائلاً : (ما علمت لكم من إله غيري)!
( فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ) : انظر هذا التلطف في الدعوة! لم يقل له: زكِّ نفسك! بصيغة الأمر, وإنما تلطف في الأسلوب فقال له : ( هل لك ) يعني: أدعوك، وأعرض عليك (أن تزكى). والتزكية تعني التطهر، بتنقية النفس من شوائب الشرك, والغل, والأخلاق الرذيلة, والتصرفات القبيحة .
( وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ) : وهذا لون آخر في التلطف, فإنه وضع نفسه بموضع الهادي، والدليل كأنما يقول: أنا كالذي يمشي بين يديك, والدليل الذي يدلك على الدرب. وهذا من التواضع في الدعوة لأنه يخاطب ذا سلطان, ومعلوم أن الخطاب لأصحاب المقامات، والوجاهات، ليس كالخطاب لآحاد الناس, فينبغي أن ينزل الناس منازلهم. ويقال إن واعظاً دخل على أحد الخلفاء، فوعظه موعظة جافة, فيها غلظة, فقال له الخليفة : يا هذا! إن الله قد بعث من هو خير منك, إلى من هو شر مني, فقال : ( فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ), ولا ريب أن الله تعالى يعطي على الرفق مالا يعطي على العنف .
وفي قوله: (إلى ربك ) تلطف أيضاً؛ حيث ذكَّره بربوبية الله له. وقوله: (فتخشى): أي يثمر ذلك لك خشية، وينقشع ما في قلبك من قسوة وغلظة.
( فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى ): عرض عليه أن يريه آية، قال: ( فأت بها إن كنت من الصادقين. فألقي عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) يعني: ألقى عصاه، فاستحال حيةً حقيقية، وأدخل يده في جيبه، ثم أخرجها، فإذا هي تبرق بيضاء، من غير سوء! آيتان عظيمتان، باهرتان، حتى إنه أرتج على فرعون, وأخذ يخبط في التهم. ومعنى ( الآية الكبرى ) أي العلامة الباهرة .
( فَكَذَّبَ وَعَصَى ) : يعني: ومع أنه تحدى، ولم يصمد أمام التحدي , فقد كذب وعصى .
( ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ) : وفوق ذلك، ما ترك الأمر مغلقاً، بل أدبر يسعى سعياً حثيثاً في الصد.
( فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) : أي جمع الناس، وأعلن قائلاً : ( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) يعني زاده ظهور الحق إصراراً على الباطل, حتى إنه قال لهامان، وزيره: (ابن لي صرحاً لعلى أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً ) وغير ذلك من صنوف الطغيان.
( فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى ) : اختلف المفسرون في هذا، فقيل : أن المراد بالآخرة: آخر كلامه, والأولى أول كلامه, فآخر كلامه " أنا ربكم الأعلى" , وأول كلامه "ما علمت لكم من إله غيري" , وقيل : أن المراد بالآخرة والأولى: الآخرة، والدنيا. فالله تعالى أذاقه عذاب الدنيا, وعذاب الآخرة؛ عذاب الدنيا بالغرق, ومن قبل الغرق الطوفان, والجراد, والقمل, والضفادع, والدم, وأما في الآخرة، فلا يخفى : ( أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) ؛ وإنما قدم الآخرة لأنها أشد, وقيل في تفسير الآخرة والأولى: يعني أول عمله، وآخره , وهو قريب من المعنى الأول .
( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ) : أي موعظة، وتوقظة، لمن في قلبه خشية, لأن الآيات، والمواعظ لا ينتفع بها إلا أهل الخشية .
فالمعنى الإجمالي لهذه الآيات: أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يضرب مثلاً للكافرين، المنكرين للبعث، بقصة جبار من الجبابرة الظالمين, وكيف كانت نهايته, فذكَّر الله تعالى بقصة موسى، عليه السلام، حينما أمره ربه أن يقصد فرعون بسبب طغيانه، وجبروته، وتمرده, وأن يعرض عليه مشروع الإيمان، وطريق الهدى، والخشية، والتزكية, فركب رأسه وأبى, وبالغ في إنكاره، وجبروته، وكفره، فادعى الربوبية، بعد أن كان قد ادعى الإلوهية . فكان من شأنه، أن أذله الله تعالى، وأخزاه خزياً ما بعده خزي, فأهلكه الله بألطف الأشياء وهو الماء, فأغرقه فيه, ثم يوم القيامة يحرقه بالنار. وفي هذا عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. فلينتبه هؤلاء المشركون، المنكرون للبعث، الذين يظنون أنهم إنما يمتعون في هذه الدنيا، ثم ينتهي كل شيء.
الفوائد المستنبطة :
الفائدة الأولى : عناية القرآن بقصة موسى، عليه السلام، وكثرة تكرارها، وتنوع عرضها .
الفائدة الثانية : إثبات صفة الكلام لله، سبحانه، بصفة المناداة, فهو يتكلم متى شاء كيف شاء بما شاء.
الفائدة الثالثة : أن كلام الله، عز وجل، متعلق بمشيئته؛ لأنه قال : ( هل أتاك حديث موسى , إذ ناداه) , و (إذ) تدل على ظرفية زمنية, فهذا يدل على أن الله يتكلم متى شاء، خلافاً للأشاعرة ، والكلابية، والسالمية ، وغيرهم من فرق الصفاتية، الذين يقولون إن كلامه هو المعنى القديم القائم في ذاته، وليس من صفاته الفعلية, بينما يعتقد أهل السنة إن كلام الله قديم النوع، حادث الآحاد, فهو قديم النوع بمعنى أن الكلام صفة ذاتية له باعتبار أصله , ولكنه يتجدد باعتبار آحاده، وأفراده .
الفائدة الرابعة : فضل موسى، عليه السلام. ولهذا يقال: موسى الكليم .
الفائدة الخامسة : فضل وادي طوى وشرفه ؛ لأن الله طهره فقال : ( بالواد المقدس طوى ) .
الفائدة السادسة : قبح الطغيان وفاعله , ( اذهب إلى فرعون إنه طغى ) , فالطغيان مرذول، مذموم.
الفائدة السابعة : التلطف في الدعوة, لاسيما مع أهل السلطان , فلكل مقام مقال.
الفائدة الثامنة : بيان غاية الدعوة وثمرتها, (فقل هل لك إلى أن تزكى , وأهديك إلى ربك فتخشى), إذاً غاية الدعوة التزكية, وثمرتها الخشية ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ), إذا أردت أن تقيس حالك فانظر خشية الله في قلبك. العالمون بالله حقاً هم أهل الخشية. لا تنظر إلى ما عندك من كتب, ودفاتر, بل انظر إلى ما في قلبك, فإن كان قلبك مخبتاً، خاشعاً لله عز وجل, فأنت من أهل العلم؛ لأن الخشية ثمرة هذا العلم. وإلا لا فائدة من كثرة المرويات, والمحفوظات، مع قسوة في القلب. وليس في هذا تقليل من أهمية التحصيل, ولكن على طالب العلم أن يوظف علمه في خشية الله, فإن العلم النافع، هو الذي يورث الخشية .
الفائدة التاسعة : تأييد الله تعالى لأنبيائه بالآيات, التي يسميها بعض العلماء المعجزات. فلما علم الله تعالى، أن من الناس من لا يستجيب إلا بآية ظاهرة، خارقة للعادة, أجرى على أيدي رسله هذه الآيات , ولم يكلهم فقط إلى مضمون الدعوة, بل نوَّع دلائل النبوة. وأعظم الأنبياء آية هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث الصحيح ( ما من نبي إلا وقد أتاه الله من الآيات ما على مثله يؤمن البشر , وإنما كان الذي أوتيته قرآن يتلى ), فأعظم آيات نبينا، صلى الله عليه وسلم،القرآن العظيم, آية خالدة , وها نحن نقرأ هذه الآيات العظيمة فنعجب، وننبهر، ونندهش من تأثيرها, ومعانيها, وحكمها.
الفائدة العاشرة : غلظ كفر فرعون, وشدة عناده. ولا يعلم أحد من البشر اشتهر بإنكار الربوبية مثل فرعون, فإنه أنكر ربوبية الله، وادعاها لنفسه, أنكرها بقوله : (وما رب العالمين), وادعاها لنفسه في قوله: (أنا ربكم الأعلى) , فلذلك صار مضرب المثل في الكفر، الجبروت، والإلحاد .
الفائدة الحادية عشرة : شدة أخذ الله للظالم الطاغي, ( إن أخذه أليم شديد ).
الفائدة الثانية عشرة : وجوب الاعتبار, والاتعاظ بمصارع الظالمين, ( إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ) .
الفائدة الثالثة عشرة : أن الخشية سبب الانتفاع بالمواعظ, لأن صاحب القلب القاسي مهما رأى, ومهما سمع, ومهما وقع له, مقفل على قلبه, أما صاحب القلب اليقظ الواعي , الذي تسري فيه نسائم الخشية يتأثر, تأمل في حال أهل العلم النافع: ( إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً , ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً , ويخرون للأذقان يبكون , ويزيدهم خشوعاً ) , ما الذي أبكاهم ؟ مجرد آيات طرقت أسماعهم , لكن هذه الآيات ليست مجرد حروف معجم، بل حروف ذات معاني , لامست أوتاراً حساسة في قلوبهم, فانفعلت تلك القلوب, وهملت تلك العيون, وخرت تلك الأعضاء خروراً، من أعلى إلى أسفل ( يخرون للأذقان سجداً ) يجعلون أذقانهم في الرغام إجلالاً لله, وخشية له,. وتأمل في حال مؤمني أهل الكتاب: ( وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ), وأخبر الله تعالى عنهم في موضع آخر، فقال : ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق , يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ). فليحرص كل مؤمن على أن يضمخ قلبه بخشية الله, هذه خشية تلين القلب , وتجعله حسن الاستقبال للمواعظ والعبر, والآيات الكونية والشرعية. نسال الله أن يرزقنا خشيته في السر والعلن .




رحمك الله يا سمية

رقم العضوية : 8411
الإنتساب : Jan 1970
المشاركات : 16,376
بمعدل : 0.93 يوميا

شمائل غير متواجد حالياً عرض البوم صور شمائل


  مشاركة رقم : 58  
كاتب الموضوع : شمائل المنتدى : التفسير قديم بتاريخ : 04-23-2013 الساعة : 12:05 PM

سورة النازعات
(المقطع الرابع)
قال الله تعالى : أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا
(27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا
(30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)

( أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ) : هذا استفهام تقريري، بغرض تنويع الخطاب لهؤلاء المنكرين للبعث. ( أأنتم ) الهمزة الأولى همزة الاستفهام , والثانية في أصل الضمير, والجواب معروفٌ سلفاً، فقد قال الله عز وجل : ( لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ), فالله تعالى ينعى على هؤلاء المنكرين للبعث، والمستبعدين له بقولهم ( من يحيي العظام وهي رميم ) بأن الذي خلق السموات السبع الشداد قادر على أن يعيد خلقهم، كما قال في الآية الأخرى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم/27], ففي هذا إقامة لحجة عقلية، حسية، على هؤلاء المنكرين للبعث, ويقول في الآية الأخرى : (أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم). ثم إنه سبحانه وتعالى بين كيفية خلق السماء فقال: (بناها), على الصفة التي جاءت الآيات بعدها مفسرة لها, ومعنى بناها: أي شيدها وأقامها .
( رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ) : ومرجع الضمير إلى السماء , والمراد بالسمك: الارتفاع. وقيل إن السمك المقصود به السقف, فما بين السماء والأرض مسافة هائلة طويلة. ومعنى سواها: أي جعلها معتدلة الأرجاء، واسعة الفناء، لا فطور فيها، ولا تفاوت . والناظر في هذه السماء يسرح طرفه في أرجائها، ويعجب من دقة خلقها، ومتانته, لا يجد فيها الإنسان أدنى ثقب , كما قال تعالى : ( فارجع البصر هل ترى من فطور ) يعني من شقوق وصدوع , ( ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير) , فيكِلُّ الطرف عن العثور على مقدار ثقب إبرة في هذه السماء المحكمة. فيا لها من آية عظيمة! ولهذا ندب الله المؤمنين إلى التفكر فيها، فقال تعالى : (أفلا ينظرون إلى السماء كيف رفعت) , وهذا يدلنا على طريقة القرآن في بناء العقيدة , وهو أنه يوجه العقول والأنظار إلى مظاهر الربوبية ؛ ليحصل بذلك توحيد الإلوهية .
( وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ) : مرجع الضمير إلى أقرب مذكور وهو السماء. ومعنى ( أغطش ليلها ) أي جعل ليل السماء مظلماً. فمعنى أغطش أي أظلم. ومعنى ( وأخرج ضحاها ): أي أظهر ضحاها بنور الشمس , فالشمس إذا بدت في السماء بان الضحى, وأسفر المكان, وإذا احتجبت الشمس عن هذه السماء عادت الظلماء. وهى دورة متكررة في اليوم والليلة. كما قال تعالى: ( يكور الليل على النهار , ويكور النهار على الليل ) , وفي تعاقب الليل والنهار حكم بالغة في, يطول المقام بذكرها، لكن لا تقوم حياة الآدميين إلا بها, فلو اختل ذلك النظام لحصل اضطراب في الحياة البشرية؛ ولهذا قال الله عز وجل : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ) , فحياة الإنسان , وحياة الحيوان , وحياة النبات , تتأثر بتعاقب الليل والنهار كما هو معروف, وكما كشفت عنه العلوم الحديثة، بأوضح ما يكون. ويحسن أن يكون لطالب العلم نوع اطلاع على البحوث الحديثة في علم الفلك , وفي علم الفيزياء , وفي علم وظائف الأعضاء , وفي علم النبات , وفي مختلف العلوم الحديثة ؛ لأنها تزيد المؤمن إيماناً , وإن كانت لا تزيد الكافرين إلا ضلالاً، كما قال ربنا عز وجل : ( قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) , فالمؤمن، صاحب القلب المفتوح تزيده هذه المكتشفات , وهذه الحقائق العلمية إيماناً بقدرة الله عز وجل , وكمال ربوبيته. وقد ألف بعض الملحدين قبل نحو خمسين سنة كتاباً سماه " الإنسان يقوم وحده "، وهو كاتب شيوعي، يريد أن يقرر أن الإنسان مستغن بنفسه , وأنه ليس بحاجة إلى إله , فألف أحد الناس كتاباً يرد به عليه بعنوان " الإنسان لا يقوم وحده ". وهذا المؤلف رجل من النصارى, لكن عنده الإيمان بالربوبية, واعتضد بالعلوم الحديثة، والكشوف العلمية، على بيان حاجة الإنسان إلى الرب, وترجمه بعض المعرَّبين باسم " العلم يدعو إلى الإيمان ". وهو كتاب مفيد، وإن كان قد مضى على تأليفه نحو نصف قرن ؛ لأنه يوقف المؤمن، ويوقف طالب العلم، على حقائق مذهلة من خلق الله عز وجل, وحكمته, ودقيق صنعه، وتدبيره في الأنفس، وفي الآفاق، مما يزيد المؤمن إيماناً .
( وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) : معنى ( دحاها ) أي بسطها, وقيل : حرثها، وشقها. وها هنا إشكال مشهور، وهو ما يتعلق بترتيب خلق السموات والأرض، فالله سبحانه وتعالى يقول في سورة فصلت : ( قُلْأَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) ثم قال : ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ) , فهذا الترتيب يدل على أن الله سبحانه وتعالى خلق الأرض، ثم خلق السماء , والذي بين أيدينا ها هنا، أن الله سبحانه وتعالى ابتدأ بذكر السماء فقال : ( أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) , فجعل ذكر الأرض بعد ذكر السماء، وهذا في ظاهره مخالف لما في سورة ( فصلت ) ! ولأجل هذا الإشكال سلك بعض المفسرين مسالك فيها نوع تكلف، وتعسف , فمنهم من قال إن معنى قوله : ( والأرض بعد ذلك ) أي قبل ذلك, ولا يخفى التأويل الشديد في هذا؛ بأن يقلب اللفظ إلى ضده , ولو شاء الله لقال قبل ذلك. وقال بعضهم، ويروى هذا عن مجاهد ( والأرض بعد ذلك ) أي مع ذلك , فجعل " بعد " بمعنى " مع ". ولكن الجواب عن هذا هو ما قاله حبر هذه الأمة، وترجمان القرآن، عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما: أن الخلق غير الدحو , بمعنى أن الله سبحانه وتعالى خلق الأرض أولاً، ولم يدحها , ثم استوي إلى السماء فخلقها، وسواها , ثم بعد ذلك دحا الأرض. فيكون سبحانه خلق الأرض في يومين كما أخبر في سورة فصلت , لكنه خلقها في يومين من غير دحو , ثم بعد ذلك استوي إلى السماء فخلقها وسواها كما أخبر, ثم دحا الأرض بعد ذلك. وبذلك يزول الإشكال .
( أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ) : وهذا يدل على أن معنى (دحاها) أي شقها، وبسطها , فكأن هذه العملية تمت بعد خلق السماء, وهو إخراج مائها؛ بأن جعلها تتفجر ينابيع، ويجرى فيها الماء من الأنهار . وأخرج هذه النباتات الهائلة، التي تملأ الغابات، والبساتين. والمرعى. اسم لمكان الكلأ والعشب , ومرجع الضمير إلى الأرض .
( وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ) : لما ذكر السماء, وذكر الأرض, ذكر الجبال. والله تعالى يقرن هذه المخلوقات العظيمة في غير ما موضع. فالله تعالى قال مثلاً : ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال ) , وقال : ( أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ) . ومعنى ( أرساها ) أي أثبتها، وقررها في الأرض؛ حتى لا تميد، ولا تضطرب, كما قال في آية أخرى ( أن تميد بكم ) أي لئلا تميد بكم. والجبال في الحقيقة خلق عجيب؛ إذا رأى الإنسان الجبال الضخمة، الهائلة، الشاهقة، وقف متصاغراً أمام قدرة الله عز وجل, يرى هذا الخلق الهائل، العظيم، الذي يشق أجواز الفضاء بثقله، وصلابته, فيدرك ضآلة خلقه أمام هذا الخلق .
( مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ) : هذه هي الحكمة من المظاهر الكونية التي ذكرت. ومعنى ( متاعا ) أي متعة، ومنفعة، وسخرة. فربنا، عز وجل، سخر لنا ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة، وباطنة. ( ولأنعامكم ) والأنعام هي الإبل, والبقر, والغنم. وهذه الأصناف الثلاثة أكثر ما يلابس الناس؛ لعظيم منفعتها لهم؛ من حيث الركوب, والأكل, والحلب, ونحو ذلك , فالحاجة إليها ماسة. ولهذا تعلقت بها أحكام الزكاة دون غيرها من المخلوقات والبهائم .
وهذه الآيات في الواقع تكشف لنا عن طريقة القرآن العظيمة، البديعة، في ذكر ملكوت السموات والأرض, وتوظيف ذلك في الإيمان بالله، عز وجل، وترتيبه لما بعده؛ فكما أن الله عز وجل ذكر تلك الآيات في سورة النبأ, ثم عقب عليها بذكر البعث، وما يحصل يوم القيامة, صنع سبحانه وتعالى ذلك في هذه السورة فقال: ( متاعا لكم ولأنعامكم , فإذا جاءت الطامة الكبرى ) , انظر هذه النقلة ! بعد أن ملء قلوبهم، وأبصارهم، بهذه الصور، والمعاني , صاروا الآن مهيئين لإلقاء الحجة الثقيلة عليهم, لأنهم ينكرون البعث. إذاً هذا الخلق البديع، لم يخلقه الله عبثاً, ولن يذهب سدىً, خلق السموات والأرض بالحق, وتمام الحق بالفصل الثاني الذي يقع بعد الطامة الكبرى, فإن أفعاله سبحانه كلها معللة محكمة .
الفوائد :
1- الاستدلال على الأخف بالأشد , وذلك في قوله تعالى : ( أأنتم أشد خلقاً أم السماء ) .
2- بيان دليل من دلائل البعث، والرد على المنكرين, وذلك في قوله تعالى : (أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها) , فإذا كان الله، سبحانه وتعالى، خلق السموات والأرض على عظمهما, فمن باب أولى، وأحرى أن يعيد خلق الإنسان .
3- بديع خلق السموات والأرض .
4- تسخير الله للمخلوقات؛ متاعاً لبني آدم , كما قال الله تعالى : ( متاعاً لكم ولأنعامكم ) .
5- أن الأصل في الأشياء الإباحة والحل .




رحمك الله يا سمية

رقم العضوية : 8411
الإنتساب : Jan 1970
المشاركات : 16,376
بمعدل : 0.93 يوميا

شمائل غير متواجد حالياً عرض البوم صور شمائل


  مشاركة رقم : 59  
كاتب الموضوع : شمائل المنتدى : التفسير قديم بتاريخ : 04-23-2013 الساعة : 12:07 PM

تفسير سورة النازعات
(المقطع الأخير)
( فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ) : الطامة اسم من أسماء القيامة وهي الساعة , والمقصود بها النفخة الثانية التي يحصل بها البعث؛ بدليل ما بعدها من الآيات. وللساعة أسماء متعددة؛ عد منها القرطبي خمسين اسماً, وعد ابن كثير ثمانين. وليعلم أن الأسماء التي سماها الله تعالى, أو سماها نبيه صلى الله عليه وسلم أعلام، وأوصاف, كما أن أسماء الله الحسنى أعلام، وأوصاف, وأسماء نبيه صلى الله عليه وسلم أعلام، وأوصاف, وأسماء القرآن أعلام، وأوصاف, وكذلك أسماء القيامة أعلام وأوصاف؛ فهي أعلام من حيث دلالتها على ذات المسمى, وأوصاف من حيث اختصاص كل اسم منها بوصف يميزه عن غيره. فالطامة ، والصاخة ، والحاقة ، والغاشية ، والآزفة , كلها أسماء لمسمى واحد , لكن كل اسم منها يحمل دلالة خاصة؛ فالصاخة تصخ الآذان , والقارعة تقرع القلوب , والآزفة قريبة الوقوع , والطامة لأنها تطم كل هائلة سواها؛ أي تغمرها. وكل داهية دونها. ولذا سماها (الكبرى) , وما عظمه الله فلا ريب أنه عظيم .
( يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى ) : قيل أن هذا جواب " إذا " في قوله : ( فإذا جاءت الطامة الكبرى ) أي حينئذ يتذكر الإنسان ما سعى. وقوله : ( الإنسان ) أي جنس الإنسان , من مؤمن وكافر , وقوله : ( ما سعى ) أي في الحياة الدنيا , ما قدم، وما فرط منه. قال صلى الله عليه وسلم :} كل الناس يغدو , فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها { حينما يُبعث الإنسان يوم القيامة , يمر عليه شريط الحياة التي حياها ستين سنة , أو سبعين سنة , أو تسعين سنة , أو أقل , أو أكثر , يتذكره كله، كما قال تعالى : ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود أن لو بينها وبينه أمدا بعيداً ) , وكما قال تعالى في سورة الفجر : ( يومئذ يتذكر الإنسان وأنا له الذكرى ) هذه الذكرى لا فائدة من ورائها .
( وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى ) : ( برزت ) أي أظهرت , كما في الحديث الصحيح : } يؤتى بجهنم يوم القيامة، لها سبعون ألف زمام , مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها { , وهذا يدل على أنها خلق عظيم هائل، وأنه مشهد مخوف .
( فَأَمَّا مَنْ طَغَى ) : ابتدأ التقسيم , ومعنى ( طغى ) أي تجاوز ؛ لأن الطغيان معناه التجاوز , كما قال الله، عز وجل : ( إنا لمّا طغى الماء حملناكم في الجارية ) يعني لما تجاوز حده , والمقصود ( فأما من طغى ) أي تكبر , وتجبر , وعصى , وكفر .
( وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) : ( آثر ) بمعنى قدّم، وفضّل الحياة الدنيا على الآخرة, وذلك باتباع الشهوات, فلم يؤمن , ولم يستجب , وقال كما قال هؤلاء المنكرون للبعث: (أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر) , فنظرتهم هي النظرة الدنيوية المادية، التي ترى أن الذكي، والحاذق، هو الذي يعب من الحياة عباً، ويقتنص الشهوات حيث ما توفرت له، ولا يلزم نفسه بشيء . وهذه الحياة الدنيوية هي حياة من يسمون بتعبير العصر (العَلمانيين) نسبة إلى العالَم، أي الدنيا، لا نسبة إلى العِلم، كما يلفظها بعض الناس، بكسر العين . والترجمة الصحيحة لهذه اللفظة الأوروبية (الدنيويون)، يعني الذين هم بإزاء (الدينيين) أهل الدين. فهؤلاء لا يعنيهم إلا متاع الحياة الدنيا، ولا ينظرون إلا بمنظور المادة, ولا يعنيهم أمر الدين. فهؤلاء هم الذين يصدق عليهم قول الله عز وجل : ( فَأَمَّا مَنْ طَغَى . وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا .فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) .
( فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ) : ( الجحيم ) اسم من أسماء النار , وهي علم، ووصف ؛ وسميت بالجحيم لتجحمها, يعني لأنها تجحمت من شدة الإيقاد عليها، فهي سوداء مظلمة. ومعنى ( المأوى ) يعني المرجع، والمآل .
( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ) : هذا هو القسم الثاني , و ( من ) بمعنى الذي, ( خاف مقام ربه ) يعني خاف المُقام بين يدي الله، عز وجل. فبين عينيه دوماً أنه سيقف بين يدي الله، ليس بينه وبينه ترجمان, فينظر أيمن منه، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا عمله, ويرى النار أمامه, والله تعالى من فوقه يحاسبه، ليس بينه وبينه ترجمان، كما أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم. فالمؤمن يخاف من هذا المقام بين يدي الله. وقد أثمر هذا الخوف نهي النفس عن الهوى, والمقصود بالهوى ما تهواه النفس, أي تميل إليه , وغلب استعمال الهوى على الأمر المذموم, وإلا فقد يهوى الإنسان أمراً محموداً. فهذا الموفق، نهى النفس عن الهوى. والنفس الله لها ثلاثة أحوال: تارة تكون مطمئنة , وتارة تكون أمارة , وتارة تكون لوامة . فالمقصود بقوله ونهى النفس ) جنس النفس الأمارة، وهي التي تأمر صاحبها بالسوء، كما قال الله، عز وجل، على لسان امرأة العزيز : ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ). وعلى النقيض منها النفس المطمئنة، ذات القلب المطمئن، قال الله عز وجل : ( يأيتها النفس المطمئنة , ارجعي إلى ربك راضية مرضية , فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) نفس ساكنة، خاضعة، راضية، رضية , رضيت بالله رباً , وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً , ليس لها نزعات، وتطلعات، وميولات، وهفوات, فهي تحب ما يحب الله, وتبغض ما يبغض الله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : } لا يؤمن أحدكم - يعني الإيمان الكامل - حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به { . هاتان نفسان متقابلتان. وبين هاتين النفسين، نفس تترد جيئة، وذهاباً, تارة تنزعها حالة النفس الأمارة, وتارة تنزعها حالة النفس المطمئنة, وهى التي أقسم الله تعالى بها بقوله : ( لا أقسم بيوم القيامة , ولا أقسم بالنفس اللوامة ) يعني التي تتلوم على صاحبها , والتلوم هو التلون؛ بمعنى أن لها لوناً تارة ولوناً تارة أخرى, فهي لأغلبهما. فنفوسنا في الأعم الأغلب، نسأل الله أن يصلح أحوالنا، نفوس لوامة , فإنِ الإنسان غلّب الإيمان، ووعظ نفسه، نزع إلى جانب النفس المطمئنة, وإن هو اتبع هواه، وتمنى على الله الأماني، مال إلى النفس الأمارة, فلهذا قال الله عز وجل: ( ونهى النفس عن الهوى ) , وهذا يحمل معنى المجاهدة ؛ لأن النفس تحتاج إلى مجاهدة, لابد من فقه النفس , يجب أن تعلم أن نفسك التي بين جنبيك، قد أودعها الله الخير والشر, قال سبحانه : ( ونفس وما سواها , فألهمها فجورها وتقواها ) , فنفسك ليست نفس ملَك قد تمحض للخير, وليست نفس شيطان قد تمحض للشر, بل أُلهمت فجورها وتقواها, بمعنى أنه قد أُودع فيها الاستعداد للخير، والاستعداد للشر, وهذا هو محل الابتلاء، فلأجل هذا قال الله : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا, وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) , فالمؤمن يزكي نفسه وينقيها، لا يزال يصلحها، ويتعاهدها، حتى تزكو , والكافر لا يزال يدسيها، ويخفي خيرها، حتى تخيب. ومهمة المؤمن أن يجاهد، حتى يرقى في سلم الكمالات، والمراتب العالية. ألم تروا أن الله سبحانه وتعالى قال : ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ) تأمل قوله : ( آتينا إبراهيم رشده ) , إذاً! عندك رشد يمكن أن تؤتاه , ويمكن ألا تؤتاه . فالموفق هو الذي يستنبط هذا الرشد في نفسه, والمحروم هو الذي يدعه مطموراً مغيباً. لقي النبي صلى الله عليه وسلم الحصين بن معبد الخزاعي، والد عمران بن الحصين، رضي الله عنهما، قال له : } يا حصين كم تعبد ؟ قال: سبعة ؛ ستة في الأرض، وواحداً في السماء. قال: فمن الذي تعده لرغبك ورهبك ؟ يعني إذا ادلهمت الأمور، واشتد الخطب، أين يتوجه قلبك؟ قال: الذي في السماء. قال : فاعبده، ودع ما سواه فإنك إن أسلمت علمتك كلمتين { , ثم إن الحصين مضى , وبعد ذلك منّ الله عليه، فجاء للنبي صلى الله عليه وسلم مسلماً، وقال: يا رسول الله إنك وعدتني إن أنا أسلمت أن تعلمني كلمتين , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم , قل : " اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي " فالموفق هو من ألهمه الله رشده، كما آتى إبراهيم رشده، وأعاذه الله من شر نفسه. في نفسك التي بين جنبيك شر , لو خرج هذا الشر ألقاك في المهالك، فأنت تسال الله أن يقمع هذا الشر, وتسأله أن يظهر هذا الخير. وما مثل ذلك، إلا كمثل بلد يوجد في أرضه نفط، ومعادن، وأحجار كريمة, فإن أهله قاموا عليه، واستنبطوا هذه الخيرات المكنونة، ازدهر البلد، وصار من الدول المتقدمة, وإن هم تركوا هذه الخيرات تحت أطباق الأرض لم ينتفعوا منها. كذلك النفس فيها من الخير المذخور، ومن الرشد ما يحتاج إلى استنباط واستخراج. فإن أنت فعلت، واستنبطته، واستخرجته، وزكيت نفسك، انتفعت دنيا، وآخرة. وإن أنت أهملته وتركته حرمت .
( فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) : الجنة لا يدخلها إلا نفس طيبة، قد تخلصت وتنقت من شوائبها، وعوالقها الرديئة. والمأوى هو المرجع والمصير .
هذا تمام التقسيم، جواب عن قوله : ( فإذا جاءت الطامة الكبرى ) يعني فإذا جاءت الطامة الكبرى انقسم الناس إلى فريقين , فريق مآله إلى الجنة وفريق مآله إلى النار .
( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ) : يعني متى وقت وقوعها، وحصولها، كأنه مأخوذ من رسو السفينة , فالسفينة تمخر عباب البحر، ثم ترسو على الشاطئ .
( فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ) : أي في أي شيء أنت من ذكراها, كأنه يقول: ليس هذا من شأنك , كما قال صلى الله عليه وسلم لجبريل، عليه السلام، لما سأله عن الساعة قال : } ما المسؤول عنها بأعلم من السائل { , ولما قال له أعرابي : متى الساعة ؟ قال : }ما أعددت لها؟ { , فأمر الساعة قد أخفاه الله، عز وجل، كما قال في آية الأعراف : ( لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها ) , فالساعة قد أخفاها الله , و كل ما تسمعون من دعاوى، ومزاعم، أن انتهاء العالم سيقع عام كذا، وكذا، فهو رجم بالغيب, يقول الله،عز وجل : ( قل لا يعلم من في السموات ومن في الأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون ) .
( إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ) : أي أن موعدها، علمه عند ربك , فهو مما اختص الله تعالى بعلمه، كما أخبر عن ذلك في آخر سورة لقمان فقال : ( إن الله عنده علم الساعة ) .
( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ) : هذه مهمتك التي ينتفع بها غيرك؛ ليس الإعلان عن موعد الساعة , وإنما النذارة من هذه الساعة , ( من يخشاها ) يعني من يخشى الساعة، هو الذي تحصل له النذارة , والنذارة: هي الإخبار بالأمر المخوف .
( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ) : يعني عشية يوم، أو ضحوته، والعشية هي آخر اليوم، والضحى أوله , كما أخبر سبحانه وتعالى في موضع آخر عنهم، فقال : ( إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوماً) , سبحان الله ! تمضي كل هذه السنين والعقود، فتبدوا للناظر يوم القيامة، كأنما هي عشية أو ضحاها, فيالها من موعظة بليغة !.
هذه السورة تقرع القلوب , وتوقظ النفوس الغافلة , وتحقق عقيدة الإيمان بالبعث. ففيها أبلغ رد على منكري البعث الذين زعموا أن لا بعث ، ولا نشور. فجاءت هذه الآيات العظيمة مثبتة لليوم الآخر، مؤكدة للبعث الذي أخبر به النبيصلى الله عليه وسلم . ويلاحظ التماثل، والتناظر بين سورتي النبأ و النازعات .
الفوائد :
1- أن أسماء القيامة أعلام وأوصاف .
2- هول القيامة الكبرى؛ لأن الله سماها الطامة .
3- ذكر الإنسان لسعيه بعد البعث .
4- إثبات الجنة والنار.
5- أن الجزاء من جنس العمل .
6- إثبات أفعال العباد, وترتب الثواب والعقاب عليها, مما يدل على أن للعبد فعل، ومشيئة، واختيار يؤاخذ عليه، ويثاب عليه .
7- كمال عدل الله عز وجل .
8- شؤم الطغيان، وإيثار الشهوات.
9- فضل الخوف من الله، ومجاهدة النفس.
10- تشوف الناس للعلم بالساعة.
11- اختصاص الله تعالى بعلم الساعة .
12- أن العبرة بالإعداد لها .
13- حقارة أمر الدنيا في الآخرة)




رحمك الله يا سمية

رقم العضوية : 8411
الإنتساب : Jan 1970
المشاركات : 16,376
بمعدل : 0.93 يوميا

شمائل غير متواجد حالياً عرض البوم صور شمائل


  مشاركة رقم : 60  
كاتب الموضوع : شمائل المنتدى : التفسير قديم بتاريخ : 04-23-2013 الساعة : 12:07 PM

تفسير سورة النازعات
(المقطع الأخير)
( فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ) : الطامة اسم من أسماء القيامة وهي الساعة , والمقصود بها النفخة الثانية التي يحصل بها البعث؛ بدليل ما بعدها من الآيات. وللساعة أسماء متعددة؛ عد منها القرطبي خمسين اسماً, وعد ابن كثير ثمانين. وليعلم أن الأسماء التي سماها الله تعالى, أو سماها نبيه صلى الله عليه وسلم أعلام، وأوصاف, كما أن أسماء الله الحسنى أعلام، وأوصاف, وأسماء نبيه صلى الله عليه وسلم أعلام، وأوصاف, وأسماء القرآن أعلام، وأوصاف, وكذلك أسماء القيامة أعلام وأوصاف؛ فهي أعلام من حيث دلالتها على ذات المسمى, وأوصاف من حيث اختصاص كل اسم منها بوصف يميزه عن غيره. فالطامة ، والصاخة ، والحاقة ، والغاشية ، والآزفة , كلها أسماء لمسمى واحد , لكن كل اسم منها يحمل دلالة خاصة؛ فالصاخة تصخ الآذان , والقارعة تقرع القلوب , والآزفة قريبة الوقوع , والطامة لأنها تطم كل هائلة سواها؛ أي تغمرها. وكل داهية دونها. ولذا سماها (الكبرى) , وما عظمه الله فلا ريب أنه عظيم .
( يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى ) : قيل أن هذا جواب " إذا " في قوله : ( فإذا جاءت الطامة الكبرى ) أي حينئذ يتذكر الإنسان ما سعى. وقوله : ( الإنسان ) أي جنس الإنسان , من مؤمن وكافر , وقوله : ( ما سعى ) أي في الحياة الدنيا , ما قدم، وما فرط منه. قال صلى الله عليه وسلم :} كل الناس يغدو , فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها { حينما يُبعث الإنسان يوم القيامة , يمر عليه شريط الحياة التي حياها ستين سنة , أو سبعين سنة , أو تسعين سنة , أو أقل , أو أكثر , يتذكره كله، كما قال تعالى : ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود أن لو بينها وبينه أمدا بعيداً ) , وكما قال تعالى في سورة الفجر : ( يومئذ يتذكر الإنسان وأنا له الذكرى ) هذه الذكرى لا فائدة من ورائها .
( وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى ) : ( برزت ) أي أظهرت , كما في الحديث الصحيح : } يؤتى بجهنم يوم القيامة، لها سبعون ألف زمام , مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها { , وهذا يدل على أنها خلق عظيم هائل، وأنه مشهد مخوف .
( فَأَمَّا مَنْ طَغَى ) : ابتدأ التقسيم , ومعنى ( طغى ) أي تجاوز ؛ لأن الطغيان معناه التجاوز , كما قال الله، عز وجل : ( إنا لمّا طغى الماء حملناكم في الجارية ) يعني لما تجاوز حده , والمقصود ( فأما من طغى ) أي تكبر , وتجبر , وعصى , وكفر .
( وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) : ( آثر ) بمعنى قدّم، وفضّل الحياة الدنيا على الآخرة, وذلك باتباع الشهوات, فلم يؤمن , ولم يستجب , وقال كما قال هؤلاء المنكرون للبعث: (أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر) , فنظرتهم هي النظرة الدنيوية المادية، التي ترى أن الذكي، والحاذق، هو الذي يعب من الحياة عباً، ويقتنص الشهوات حيث ما توفرت له، ولا يلزم نفسه بشيء . وهذه الحياة الدنيوية هي حياة من يسمون بتعبير العصر (العَلمانيين) نسبة إلى العالَم، أي الدنيا، لا نسبة إلى العِلم، كما يلفظها بعض الناس، بكسر العين . والترجمة الصحيحة لهذه اللفظة الأوروبية (الدنيويون)، يعني الذين هم بإزاء (الدينيين) أهل الدين. فهؤلاء لا يعنيهم إلا متاع الحياة الدنيا، ولا ينظرون إلا بمنظور المادة, ولا يعنيهم أمر الدين. فهؤلاء هم الذين يصدق عليهم قول الله عز وجل : ( فَأَمَّا مَنْ طَغَى . وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا .فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) .
( فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ) : ( الجحيم ) اسم من أسماء النار , وهي علم، ووصف ؛ وسميت بالجحيم لتجحمها, يعني لأنها تجحمت من شدة الإيقاد عليها، فهي سوداء مظلمة. ومعنى ( المأوى ) يعني المرجع، والمآل .
( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ) : هذا هو القسم الثاني , و ( من ) بمعنى الذي, ( خاف مقام ربه ) يعني خاف المُقام بين يدي الله، عز وجل. فبين عينيه دوماً أنه سيقف بين يدي الله، ليس بينه وبينه ترجمان, فينظر أيمن منه، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا عمله, ويرى النار أمامه, والله تعالى من فوقه يحاسبه، ليس بينه وبينه ترجمان، كما أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم. فالمؤمن يخاف من هذا المقام بين يدي الله. وقد أثمر هذا الخوف نهي النفس عن الهوى, والمقصود بالهوى ما تهواه النفس, أي تميل إليه , وغلب استعمال الهوى على الأمر المذموم, وإلا فقد يهوى الإنسان أمراً محموداً. فهذا الموفق، نهى النفس عن الهوى. والنفس الله لها ثلاثة أحوال: تارة تكون مطمئنة , وتارة تكون أمارة , وتارة تكون لوامة . فالمقصود بقوله ونهى النفس ) جنس النفس الأمارة، وهي التي تأمر صاحبها بالسوء، كما قال الله، عز وجل، على لسان امرأة العزيز : ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ). وعلى النقيض منها النفس المطمئنة، ذات القلب المطمئن، قال الله عز وجل : ( يأيتها النفس المطمئنة , ارجعي إلى ربك راضية مرضية , فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) نفس ساكنة، خاضعة، راضية، رضية , رضيت بالله رباً , وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً , ليس لها نزعات، وتطلعات، وميولات، وهفوات, فهي تحب ما يحب الله, وتبغض ما يبغض الله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : } لا يؤمن أحدكم - يعني الإيمان الكامل - حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به { . هاتان نفسان متقابلتان. وبين هاتين النفسين، نفس تترد جيئة، وذهاباً, تارة تنزعها حالة النفس الأمارة, وتارة تنزعها حالة النفس المطمئنة, وهى التي أقسم الله تعالى بها بقوله : ( لا أقسم بيوم القيامة , ولا أقسم بالنفس اللوامة ) يعني التي تتلوم على صاحبها , والتلوم هو التلون؛ بمعنى أن لها لوناً تارة ولوناً تارة أخرى, فهي لأغلبهما. فنفوسنا في الأعم الأغلب، نسأل الله أن يصلح أحوالنا، نفوس لوامة , فإنِ الإنسان غلّب الإيمان، ووعظ نفسه، نزع إلى جانب النفس المطمئنة, وإن هو اتبع هواه، وتمنى على الله الأماني، مال إلى النفس الأمارة, فلهذا قال الله عز وجل: ( ونهى النفس عن الهوى ) , وهذا يحمل معنى المجاهدة ؛ لأن النفس تحتاج إلى مجاهدة, لابد من فقه النفس , يجب أن تعلم أن نفسك التي بين جنبيك، قد أودعها الله الخير والشر, قال سبحانه : ( ونفس وما سواها , فألهمها فجورها وتقواها ) , فنفسك ليست نفس ملَك قد تمحض للخير, وليست نفس شيطان قد تمحض للشر, بل أُلهمت فجورها وتقواها, بمعنى أنه قد أُودع فيها الاستعداد للخير، والاستعداد للشر, وهذا هو محل الابتلاء، فلأجل هذا قال الله : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا, وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) , فالمؤمن يزكي نفسه وينقيها، لا يزال يصلحها، ويتعاهدها، حتى تزكو , والكافر لا يزال يدسيها، ويخفي خيرها، حتى تخيب. ومهمة المؤمن أن يجاهد، حتى يرقى في سلم الكمالات، والمراتب العالية. ألم تروا أن الله سبحانه وتعالى قال : ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ) تأمل قوله : ( آتينا إبراهيم رشده ) , إذاً! عندك رشد يمكن أن تؤتاه , ويمكن ألا تؤتاه . فالموفق هو الذي يستنبط هذا الرشد في نفسه, والمحروم هو الذي يدعه مطموراً مغيباً. لقي النبي صلى الله عليه وسلم الحصين بن معبد الخزاعي، والد عمران بن الحصين، رضي الله عنهما، قال له : } يا حصين كم تعبد ؟ قال: سبعة ؛ ستة في الأرض، وواحداً في السماء. قال: فمن الذي تعده لرغبك ورهبك ؟ يعني إذا ادلهمت الأمور، واشتد الخطب، أين يتوجه قلبك؟ قال: الذي في السماء. قال : فاعبده، ودع ما سواه فإنك إن أسلمت علمتك كلمتين { , ثم إن الحصين مضى , وبعد ذلك منّ الله عليه، فجاء للنبي صلى الله عليه وسلم مسلماً، وقال: يا رسول الله إنك وعدتني إن أنا أسلمت أن تعلمني كلمتين , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم , قل : " اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي " فالموفق هو من ألهمه الله رشده، كما آتى إبراهيم رشده، وأعاذه الله من شر نفسه. في نفسك التي بين جنبيك شر , لو خرج هذا الشر ألقاك في المهالك، فأنت تسال الله أن يقمع هذا الشر, وتسأله أن يظهر هذا الخير. وما مثل ذلك، إلا كمثل بلد يوجد في أرضه نفط، ومعادن، وأحجار كريمة, فإن أهله قاموا عليه، واستنبطوا هذه الخيرات المكنونة، ازدهر البلد، وصار من الدول المتقدمة, وإن هم تركوا هذه الخيرات تحت أطباق الأرض لم ينتفعوا منها. كذلك النفس فيها من الخير المذخور، ومن الرشد ما يحتاج إلى استنباط واستخراج. فإن أنت فعلت، واستنبطته، واستخرجته، وزكيت نفسك، انتفعت دنيا، وآخرة. وإن أنت أهملته وتركته حرمت .
( فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) : الجنة لا يدخلها إلا نفس طيبة، قد تخلصت وتنقت من شوائبها، وعوالقها الرديئة. والمأوى هو المرجع والمصير .
هذا تمام التقسيم، جواب عن قوله : ( فإذا جاءت الطامة الكبرى ) يعني فإذا جاءت الطامة الكبرى انقسم الناس إلى فريقين , فريق مآله إلى الجنة وفريق مآله إلى النار .
( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ) : يعني متى وقت وقوعها، وحصولها، كأنه مأخوذ من رسو السفينة , فالسفينة تمخر عباب البحر، ثم ترسو على الشاطئ .
( فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ) : أي في أي شيء أنت من ذكراها, كأنه يقول: ليس هذا من شأنك , كما قال صلى الله عليه وسلم لجبريل، عليه السلام، لما سأله عن الساعة قال : } ما المسؤول عنها بأعلم من السائل { , ولما قال له أعرابي : متى الساعة ؟ قال : }ما أعددت لها؟ { , فأمر الساعة قد أخفاه الله، عز وجل، كما قال في آية الأعراف : ( لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها ) , فالساعة قد أخفاها الله , و كل ما تسمعون من دعاوى، ومزاعم، أن انتهاء العالم سيقع عام كذا، وكذا، فهو رجم بالغيب, يقول الله،عز وجل : ( قل لا يعلم من في السموات ومن في الأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون ) .
( إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ) : أي أن موعدها، علمه عند ربك , فهو مما اختص الله تعالى بعلمه، كما أخبر عن ذلك في آخر سورة لقمان فقال : ( إن الله عنده علم الساعة ) .
( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ) : هذه مهمتك التي ينتفع بها غيرك؛ ليس الإعلان عن موعد الساعة , وإنما النذارة من هذه الساعة , ( من يخشاها ) يعني من يخشى الساعة، هو الذي تحصل له النذارة , والنذارة: هي الإخبار بالأمر المخوف .
( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ) : يعني عشية يوم، أو ضحوته، والعشية هي آخر اليوم، والضحى أوله , كما أخبر سبحانه وتعالى في موضع آخر عنهم، فقال : ( إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوماً) , سبحان الله ! تمضي كل هذه السنين والعقود، فتبدوا للناظر يوم القيامة، كأنما هي عشية أو ضحاها, فيالها من موعظة بليغة !.
هذه السورة تقرع القلوب , وتوقظ النفوس الغافلة , وتحقق عقيدة الإيمان بالبعث. ففيها أبلغ رد على منكري البعث الذين زعموا أن لا بعث ، ولا نشور. فجاءت هذه الآيات العظيمة مثبتة لليوم الآخر، مؤكدة للبعث الذي أخبر به النبيصلى الله عليه وسلم . ويلاحظ التماثل، والتناظر بين سورتي النبأ و النازعات .
الفوائد :
1- أن أسماء القيامة أعلام وأوصاف .
2- هول القيامة الكبرى؛ لأن الله سماها الطامة .
3- ذكر الإنسان لسعيه بعد البعث .
4- إثبات الجنة والنار.
5- أن الجزاء من جنس العمل .
6- إثبات أفعال العباد, وترتب الثواب والعقاب عليها, مما يدل على أن للعبد فعل، ومشيئة، واختيار يؤاخذ عليه، ويثاب عليه .
7- كمال عدل الله عز وجل .
8- شؤم الطغيان، وإيثار الشهوات.
9- فضل الخوف من الله، ومجاهدة النفس.
10- تشوف الناس للعلم بالساعة.
11- اختصاص الله تعالى بعلم الساعة .
12- أن العبرة بالإعداد لها .
13- حقارة أمر الدنيا في الآخرة)




رحمك الله يا سمية

رقم العضوية : 8411
الإنتساب : Jan 1970
المشاركات : 16,376
بمعدل : 0.93 يوميا

شمائل غير متواجد حالياً عرض البوم صور شمائل


  مشاركة رقم : 61  
كاتب الموضوع : شمائل المنتدى : التفسير قديم بتاريخ : 04-23-2013 الساعة : 12:18 PM

سورة (النبأ)

الحلقة (1)

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

فهذه السورة العظيمة المُسماة بسورة (النبأ) وتُسمى بسورة (عَمَّ) لها مقاصد يُمكن أن نُلخصها في أمور ثلاثة:

المقصد الأول: تعظيم شأن القرآن.

الثاني: تقرير الإيمان باليوم الآخر.

الثالث: الدعوة إلى التفكر في آيات الله الكونية.

قال تعالى : (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5))

استهل الله تعالى هذه السورة بصغية الاستفهام (عَمَّ)؟ وهي اختصار لـ (عن ماذا), ومعناها : عن أيّ شيء يتساءل المشركون. وقد وردت على صيغة الاستفهام الإنكار، للنعيِ على فعلتهم, فكيف يسوغ أن يتساءلوا، وأن يختلفوا في أمر كهذا!

والنبأ المقصود به: الخبر. وليس أيَّ خبر, بل الخبر الذي استطار واشتهر؛ وهو مأخوذ من النّبْوة, وهي : هي ما علا، وارتفع من الأرض. ثم فخّم الله شأن هذا النبأ, فوصفه بأنه عظيم, والأمر كذلك.

وقد وقع الخلاف بين المفسرين؛ هل المقصود بالنبأ: القرآن، وهو قول مجاهد, أم المقصود بالنبأ: البعث بعد الموت، وهو قول قتادة. ويُعزز القول الأول, أنه وقع الاختلاف منهم في القرآن؛ فتارة يقولون: سحر. وتارة يقولون: كَهانة. وتارة يقولون: شعر. فينطبق عليهم أنهم قد اختلفوا فيه. في حين أن البعث لم يقع فيه اختلاف بينهم؛ لأنهم قد أنكروه جملة وتفصيلاً. إلا أن القول الثاني وهو أن النبأ العظيم هو البعث أليق بسياق السورة؛ فإن سياق السورة كما تقدم، يتعلق بأحوال الآخرة، والجنة، والنار، والفَصْل، والحساب.

ولو ذهبنا نُرجح بين القولين, لكان القول الأول أرجح؛ لأنه أعم, فإن القرآن يدخل فيه أمر البعث, فيكون متضمناً له. ويكون اختلافهم في الواقع، في مفردات هذا الأمر, فهذا أولى بالاختيار. واقتبس الشيخ محمد عبد الله دراز كتابه (النبأ العظيم) من هذه السُّورة.

ثم إن الله عز وجل لمّا ذكر تساؤل المشركين, أجاب عنه إجابةً مجملةً لا تفصيل فيها، فقال: (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) ), ولم يذكر تفاصيل اختلافهم، والجواب عنهم، بل يعرض عن ذلك. وكأن الأمر من البيان، والوضوح، بمكان لا يستحق أن يُتنازل مع المخالف، ولا يُتحدث معه فيه. ففي هذا الإعراض تفخيم لهذا النبأ العظيم, وترذيل لهؤلاء المنكرين له.

ثم تأتي آيتان فيهما زجرٌ، وقرعٌ لهم: يقول الله تعالى: (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ(5)). وما أشدَّ وقع هذه الجُمل على القلوب. وكلمة (كلا) أحسن ما يُقال في معناها أي: ليس الأمر كما يزعمون، وما يَدّعون من إنكار البعث، أو الطعن في القرآن. وأتى بالتكرار في قوله: (ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ), للتأكيد. ولم يُبين الله تعالى ماذا سيعلمون, لكنه واضح من السياق، أنهم سيعلمون حقيقة هذا النبأ، وتحققه في الواقع, وذلك حينما يُعاينونه ويبصرونه, يقول الله عز وجل: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ، قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } يس: ٥١ – ٥٢, فهم سيعلمونه حينما يرونه عِياناً بأبصارهم، ويعلمون أن وعد الله حق.

الفوائد المستنبطة من المقطع الأول :

الفائدة الأولى: عظم شأن القرآن، أو البعث، وأنه من أصول الإيمان.

الفائدة الثانية :سَفَه المُنكرين للأمور اليقينية .

الفائدة الثالثة :أن المُخالفين للرسل مختلفون فيما بينهم, فليسوا على قلب واحد, قال الله تعالى: (الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ), وقال سبحانه:{ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } البقرة: ١٧6, فكل من خالف الحق تجدهم فِرقاً وشِيعاً وأحزاباً؛ لأن الحق واحد لا يتعدد, أما الباطل فشعب وظلمات, ولهذا تجد أن الله تعالى دوماً يُوحد الحق فمن ذلك قوله:{ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } يوسف: ١٠٨, فالحق واحد, والسبيل واحدة, والباطل أشلاء.

الفائدة الرابعة: استعمال أسلوب التهديد في الموعظة الإيمانية, وهذه من قوله تعالى: (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)), فلا بأس للداعية في بعض المواقف أن يُهدد المدعو بعقاب الله، وبشؤم صنيعه, وأن يُخوفه باليوم الآخر, ويقول له: ويلك. كما قال الله عز وجل: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} الأحقاف : 17




رحمك الله يا سمية

رقم العضوية : 8411
الإنتساب : Jan 1970
المشاركات : 16,376
بمعدل : 0.93 يوميا

شمائل غير متواجد حالياً عرض البوم صور شمائل


  مشاركة رقم : 62  
كاتب الموضوع : شمائل المنتدى : التفسير قديم بتاريخ : 04-23-2013 الساعة : 12:23 PM

الحلقة (2)

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال تعالى : (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا(8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) )

هذه الآيات استعراض مدهش لعجيب صُنع الله، وبديع خلقه في الآفاق, مما تخضع له الرقاب، وتُذعن له الجباه, ويُقر هؤلاء المخاطبون بحقيقته. واالاستفهام في قول الله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا), استفهام تقريري؛ لأنهم مُقرون بما فيه.

فابتدأ الله تعالى بالآيات الأرضية, ثم ثنّى بالآيات السماوية, فقال أولاً: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا), فهذه الأرض التي تدبّون عليها, وتتنقلون في أكنافها, وتسيرون في مناكبها, وتحرثونها وتزرعونها, ألم نجعلها لكم مهاداً ؟ ومعنى مهاداً أي: ممهدة مفروشة. فهم يمتهدونها، ويفترشونها، كما قال تعالى في الآية الأخرى:{ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } النمل: ٦١, فالله تعالى بسط لنا هذه البسيطة, بحيث نطمئنُّ في السير عليها، وفي السُّكنى فوقها، وفي الحرث، والزرع فيها., فهي آية قريبة جداً، نلامسها كل حين. وجواب هذا الاستفهام (بلى)؛ لأنه قد صُدِّر بالهمزة في قوله: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا).

ثم قال تعالى: (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) انتقل إلى مظهر آخر من مظاهر آياته الأرضية، وهى هذه الجبال الراسيات، التي جعلها الله سبحانه وتعالى بمنزلة الأوتاد, كالأطناب للخيمة, فالخيمة لا تثبت، إلا إذا دُقّت أوتادها في الأرض, فكذلك هذه الأرض، لا تستقرُّ إلا بهذه الجبال قال تعالى:{ وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } الأنبياء: ٣١, والجبل على هيئة الوتد؛ جزء منه بارزٌ على وجه الأرض, وجزء منه غائر فيها. فدل ذلك على أن هذه الجبال المنظورة، لها في جوف الأرض عُمْق وامتداد. وسبب تسميتها أوتاداً؛ لأنها تمنع الأرض من الحركة، والاضطراب، والزلازل, إلا ما شاء الله. فالله تعالى، بحكمته البالغة، قد وزّع الأثقال في الأرض، بحيث تمنعها من أن تميد وتضطرب. أو أن المراد: أن هذه الأوتاد، والكتل الضخمة من الجبال التي إذا رأى الإنسان بعضها، يندهش من هولها، وعظمتها، لها ما يقابلها في أغوار البحار. بمعنى أن الله سبحانه وتعالى كما جعل هذه المرتفعات الشاهقة فوق الأرض، قابل ذلك بخلق البحار والأودية، والأغوار.

والله تعالى يذكر الأرض، والسماء، والجبال، مقترنةً، في غير ما موضع في كتابه؛ منها قوله عز وجل:{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } الأحزاب: ٧٢, وسيأتي إن شاء الله تعالى، في سورة سبح، ذكر هذا الاقتران.

ثم قال تعالى: ( وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا(8)), وهذه نقلة من الآفاق إلى الأنفس. وكلها آيات لله عز وجل قال سبحانه وتعالى:{ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }فصلت: ٥٣.

فقوله تعالى: (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا)، المراد بالزوجية: الذكورة، والأنوثة. فإن الله سبحانه وتعالى، قد ركّب نظام الخلق، وسر التكاثر، على هذه الزوجية. وهذا ليس عند بني الإنسان فقط, بل حتى عند الحيوانات، والحشرات، والنباتات، وغيرها من المخلوقات. فالتزاوج يحصل به التناسل، والتكاثر، وحفظ النوع. وهو آية عظيمة, فالله تعالى، في الأصل، خلقنا من نفس واحدة؛ وهو آدم عليه السلام. ثم إن الله تعالى، خلق من ضِلْعه الأيسر القصير أُمّنا حواء, فنام آدم نومة في الجنة, فاستيقظ فإذا هي إلى جواره, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }النساء: ١, والآن يعمر الأرض من الآدميين، ما يزيد على ست مليارات من البشر, مُختلفو الأجناس، والأعراق، والألوان، واللغات, كلهم يرجعون إلى أب واحد، وأمٍّ واحدة. فهذه آية عظيمة! وإذا تفكر الإنسان في خلق الرجل، وخلق المرأة، وكيف جعل الله تعالى، أحدهما يُكمل الآخر. ولما فتح الله تعالى، على الناس العلوم الحديثة والبحوث المَخْبرية , زاد إيمان المؤمن ببديع صنع الله. وهذا التزاوج ينشأ عن التقاء حيوان مِنويٍّ من الذكر، وبًُويضة من الأنثى. وهاتان خليّتان تختلفان عن سائر الخلايا, فكل خليّة من خلايا البدن، كما يقول المتخصصون في علم وظائف الأحياء، تحمل ستة وأربعين مُورِّثاً، أو (جيناً), المُسمى عندهم بـ (الكروموسومات), إلا الخليّة التناسلية, فإن في الحيوان المنوي ثلاثة وعشرين, وفي البويضة ثلاثةً وعشرين. فإذا حصل التلقيح، والإخصاب، بإذن الله، انضم هذا من الرجل، وهذا من الأنثى، فحصل التخليق. كما أن هذا التزاوج, ليس تزاوجاً حسياً فقط, بل تزاوج نفسي أيضاً؛ فإن الذكر يأنس بالأنثى, والأنثى تأنس بالذكر. ولهذا امتن الله، عز وجل، على عباده بذلك، وجعل ذلك من آياته، فقال في الآية الأخرى:{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } الروم: ٢١, فهذا جانب روحي, وليس جانباً مادياً, ولا يستغني عنه الإنسان.

ثم قال تعالى: (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9)), هذا أيضاً، مظهر من مظاهر القدرة الإلهية، والآيات العظيمة في النفس, وهو هذا النوم الذي يُلقيه الله تعالى، على أحدنا، فيدخل في حالة ليست كحالة اليقظة, وليست أيضاً كحالة الموت, بل هي حالة وسيطة، لابد للإنسان منها. وقد وصفها الله سبحانه وتعالى بأنها: سُبات. وأحسن ما قيل في تعريف السُبات: أنه الرَّاحة، والسَكْن. وقيل غير ذلك؛ فقيل: إن معنى سُباتاً أي: موتاً. وقيل: قطْعاً للحركة. وهذه المعاني تؤول في النهاية إلى هذه المِنّة، وهي أنه يحصُل بهذا النوم الراحة، والسَكْن. ولو استرسل الإنسان في اليقظة لأضرّ به ذلك في بدنه, فالبدن يحتاج إلى راحة, ولأضرّ به في نفسه؛ لأن النفس تُنهك، وتُرهق, ولأضرّ به في عقله, فإن العقل لا يُطيق أن يعمل باستمرار, فلذلك ألقى الله تعالى علينا هذا النوم، وحتى لو لم نستدعْه، لاضطررنا إليه، ولألقانا.

وقد جاء في الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله. فناداه ربه عز وجل: يا موسى سألوك: هل ينام ربك؟, فخذ زجاجتين في يديك, فقم الليل. ففعل موسى, فلمّا ذهب من الليل ثلث, نعس فوقع لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما, حتى إذا كان آخر الليل نعس, فسقطت الزجاجتان فانكسرتا. فقال: يا موسى، لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك(1). فسبحانه تعالى وبحمده, هو الحي، القيوم، الغني بنفسه. أما الآدمي، فإنه ضعيف بطبعه يحتاج إلى النوم. والنوم في حق الله نقص، يُنزه عنه، قال تعالى: {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ .. } البقرة:٢٥٥, لكن النوم في حق الآدمي كمال، ونفع، وفائدة. وهو آية من آيات الله، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} الروم: ٢٣, والنوم أخو الموت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم(2), لكنه أخوه الأصغر؛ لأنه دون ذلك, قال تعالى : {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الزمر: ٤٢, وأنت إذا أويت إلى فراشك تقول: (بِاسْمِكَ رَبّي وَضَعْتُ جَنْبِي, وَبِكَ أَرْفَعُهُ, إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا, وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ)(3).

إن علاقة الروح بالبدن، ليست علاقة متساوية, ولكن بين الروح والبدن أنواع خمسة من التعلقات نُدركها بالتتبع والاستقراء:

النوع الأول: علاقة الروح بالبدن في المرحلة الجنينية: وهى علاقة ضعيفة، إلى حد أننا لا نذكر هذا التعلق, مع أننا نقطع بأن الجنين بعد أربعة أشهر تنفخ فيه الروح, ولكن ما منا أحد يذكر ذلك الحال؛ من وجود روحه في بدنه.

النوع الثاني: تعلق الروح بالبدن في حال اليقظة، في الدنيا: ولا نحتاج إلى وصفه، لأننا نعيشه.

النوع الثالث: تعلق الروح بالبدن في حال النوم في الدنيا: فإنها حال مستقلة، لا تُغادر الروح الجسد مغادرة تامة, ولها فيه نوع تعلق. ولذلك نجد أن النائم أحياناً يظهر عليه التبرم، بسبب الحرّ ، أو بسبب الإزعاج, مع أنه ليس في وعيه, ويظهر عليه أثر البرد، فيقشعر بدنه, ويظهر عليه أثر الراحة والاستغراق. فهناك علاقة وسيطة.

النوع الرابع: تعلق الروح بالبدن في الحياة البرزخية: وهذه حالة عجيبة، لا نُدركها الآن, ولكن الإيمان بالغيب يقتضي أن نؤمن بها؛ فإن روح الميت تُردُّ إلى بدنه، حين يُوضع في قبره, فيأتيه الملكان، فيسألانه الأسئلة الثلاثة المعروفة، ثم يعقبها نعيم أو عذاب. ولكنها حال لا يُدركها إلا المقبور؛ فهو الذي يُحسُّ بنعيم القبر، أو عذابه.

النوع الخامس: وهو أكمل أنواع التعلقات, تعلق الروح بالبدن بعد البعث، إما في الجنة، أو في النار: فهذا التعلق تعلق وثيق، واتصال عميق. ولهذا يجد المؤمن غاية النعيم في الجنة, ويجد الكافر غاية العذاب في النار, لشدة التصاق روحه ببدنه.

ثم قال الله عز وجل: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11)), لقد جعل الله عز وجل هذه الحياة تتراوح بين ليل ونهار, بين ظلمة وإسفار. وما أحسن هذا التعقيب بعد ذكر النوم, فقد ذكر الله تعالى مَحلّه، وظرفه، وهو الليل. فما أن تسقط الشمس في المغيب، حتى يُقبل جيش الليل. ويأتي هذا الجُند الظلامي، ويُغطي الأرض، ويُكنّها، ويَغشاها، كأنه لباس! أرأيت لو أخذتَ ثوباً أسود، وغشّيْتَ به إنساناً، فإنه لا يُبصر شيئاً. فهذا اللباس الرباني يَكسو الله به الأرض، كل يوم، ويحصل من جَرّاءه هدوء، وسكينة، وآثار حميدة، قد لا نُدرك جميعها. ولهذا امتن الله على عباده فقال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ} القصص:٧١, لا أحد, فالله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} الزمر: ٥, وقال تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يس: ٤٠, ولو اختل هذا الميزان، لظهر ذلك على الآدميين.

حدثني بعض الناس، ممن عاش في منطقة قريبة من الدائرة القطبية في شمال إحدى الدول الاسكندنافية, قال: عملتُ في بلد لا نرى فيه الشمس ستة أشهر, تأتي دقائق معدودة, ويرتفع قرص الشمس، ثم يسقط مباشرة, فنعيش في ظلام دامس, إلا ما يحصل بالإضاءة الكهربائية, حتى إن أحدنا يستيقظ من النوم، ويُبصر ساعته، فيجد الساعة مثلاً، السادسة , فيسأل من حوله: الساعة السادسة، صباحاً أو مساءاً؟ لا يدري؛ لأن الزمن كله ليل! والشاهد في هذا, أنه يقول: إن حياة الناس في تلك البلدة، وهو ليس من أهلها, إنما قدم للعمل فيها، حياة كئيبة، يُحس الإنسان فيها بالكآبة، والانقباض، والتجهم في وجوه الناس.

إن من نعمة الله عز وجل، على هذه البلاد, التي أنزل فيها القرآن، وجعلها مهبطاً للرسالة، و منطلقاً للدعوة، أن جعلها بلاداً متوسطة, تتعاقب فيها الفصول, ويتعاقب فيها الليل والنهار, يَزيدان ويَنقصان, فهي سُرّةُ العالم, وقلب الدنيا.

وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا), معنى معاشاً أي: تتعيّشون فيه، وتطلبون فيه رزقكم؛ تحرِثون، وتتّجرون، وتعملون، لأن هذه الإضاءة الطبيعية تمكننا من ذلك, ولو اجتمع كل من بأقطار الأرض على أن يُضيئوا الدنيا بما عندهم من آلات، ومولدات، لم يبلغوا نزرا يسيراً من هذا الضوء الذي يجلبه الله تعالى لنا في النهار.

وبعد ذكر هذه الأحوال البشرية الأرضية، نقلنا نقلة عُلوية، فقال: (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) ), فإذا البصر يشهق إلى أعلى، ليتأمل في هذا البناء المُحكم المتين, وهو السموات. فالسماء مبنية، كما أخبر الله عز وجل: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: ٤٧, وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} الأنبياء: ٣٢, فهي سقف حقيقي, وعبّر في موضع آخر عن السموات بأنها: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} المؤمنون: ١٧, ففوقنا سبع سموات. ومعنى (شِدَاداً) أي: متينة، محكمة، متماسكة, كما قال الله عز وجل: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ} الملك: ٣, أي: من ثُقوب، وصدوع. {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ } حاول مرة ثانية، وثالثة, {كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ} الملك: ٤, حسر البصر أن يُجد ثُقباً واحداً، في هذا البناء المُحكم.

وهذه السموات السبع، لا ندرك كيفيتها, هل المقصود بها ما يُشير إليه علماء الفلك، أنها المِجرّات, ويقولون: إن كل مجرة يتبعها قريب من مئة مليون نجم, وهذه النجوم أكبر من الشمس بآلاف المرات, أم أنها غير ذلك؟ الله أعلم. لكننا نؤمن بوجود سبع سموات, وأن المباشر لنا منها هي السماء الدنيا.

والبناء يدل على وجود نظام يحكمها, بحيث لا يَحيد جُرم سماوي عن مجراه قِيد أَنْمُلة, هذا هو الشد والإحكام والإتقان في بناءها.

ثم لمّا ذكر الله عز وجل السماء, ذكر بعض آياتها, بل ذكر أعظمها بالنسبة لما تُدركه أبصارنا، وهو: الشمس. ووصفها بهذا الوصف الجميل المُعبّر: (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13)), فإن السراج يجمع وصفين: الإضاءة، والحرارة. فهو مَجلبة للنور ومَجلبة للدفء. وزاد ذلك بأن قال: (وَهَّاجًا), فهو يَتوهج. شتان بين الشمس والقمر؛ فالقمر كوكب ذو جُرم بارد، كالمرآة، يعكس نور الشمس. فلذلك لا نجد من القمر دفئاً, وإن كُنّا نجدُ منه نوراً, لكنه دون إضاءة الشمس. أما الشمس فإنها تتوهج، وتبعث بالحرارة, ويترتب على ذلك، أي: الحرارة والإضاءة، أمور حيوية كثيرة جداً، تتعلق بصحة الإنسان، وبنمو النبات، وغير ذلك مما نُدركه، وما لا نُدركه. ولا ريب أن العلوم الحديثة؛ من علوم الفلك، وعلوم الأحياء، وعلوم وظائف الأعضاء, كشفت آفاقاً واسعة في هذا المقام, لكن القَدْر الذي بيّنه الله تعالى لعباده كافٍ في إقامة الحجة, فإن الناس يُدركون ذلك، وهم يَتنعمون بضوء الشمس وبدفئها، وبرؤية أثرها على النبات, والحيوانات.

ثم قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14)), والمعصرات قيل فيها عدة أقوال: قيل إن المراد بها: السحاب. وقيل: الرياح. وقيل: السماء. وأقربها الأول. فهذه السُّحب التي تسافر إلينا من أماكن بعيدة،نشأت عن تسليط الله لضوء الشمس، ووهجها، على المسطحات الهائلة من المحيطات, فتتبخر كميات هائلة من مياه البحار، وترقى في طبقات السماء، ثم تتكثف،بعضها إلى بعض, ثم يُرسل الله الرياح كالقطارات، تقطرها، وتحملها إلى بلد ميت, إلى أرض قاحلة, كالمناطق القارّيّة، البعيدة عن مصادر المياه. يَسوقها الله عز وجل، بهذه الرياح، حتى يُوقفها في المكان الذي أراد أن تُنزل فيه حمولتها, فحينئذ تُعتصر، فتُنزل عُصارتها على هذا المكان الميت, فيُحي الله بهذا الماء أرضاً ميتة! ولو اجتمع مَنْ بأقطار الأرض، على أن ينقلوا عُشْر مِعشار هذا الماء لم يتمكنوا.

وقوله تعالى: (مَاءً ثَجَّاجًا) هو ماء مطلق, ماء نقي, ماء طهور, ومعنى (ثَجَّاجًا) أي: غزيراً، كثيراً. فسبحان من حمل هذه الأطنان من المياه، بين السماء والأرض, ثم صبها حيث شاء.

وعلى القول الآخر، بأن المراد بالمعصرات: الرياح. نجعل (مِنْ) بمعنى (الباء)، فكأن التقدير: وأنزلنا بالرياح ماءاً ثجاجاً. لأن الرياح هي التي تسوق السحاب, لكن القول الأول أولى. وأما من فسرها بالسماء, فإشارة إلى عُلوّها، وكلُّ ما علاك فهو سماء لك.

وهذا السّوْق لحكمة، كما قال تعالىلِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) ), فتبارك الله, أرض قاحلة غبراء، لا ترى فيها أثراً لحياة, يُصب عليها ماء السماء, فإذا بها تُنبت أزاهير، وحُبوباً، وثماراً، وفواكه, فمن أودع الأرض هذه البذور وأنبتها؟ إنه الله سبحانه وتعالى.

وقوله تعالى: (لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا), الحبُّ: اسم جنس يشمل كل ما يخطر ببالك من الحبوب؛ من بُر، وشعير، وأرز، وغير ذلك. وكذلك النبات: يشمل كل نبات مما يأكله الآدمي، وتأكله الحيوانات. وكل هذا من جَرّاء سَوْق الله تعالى لهذه المُعصرات إلى هذه الأرض.

وقوله تعالى: (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا), الجنات هي: البساتين. وسُميت جنات؛ لأنها تُجِنُّ صاحبها، أي: تستره. ولهذا قال: (أَلْفَافًا) أي: ملتفة, والملتف فيها أغصان الأشجار, فإنها لكثرتها، التفَّ بعضها على بعض, كل ذلك من آثار ماء السماء، الذي سقى الله تعالى به هذه الأرض, فإذا بها تتحول إلى حديقة غَنَّاء, تَصدح فيها الطيور، وترعى فيها السائمة، ويأكل منها الإنسان.

أرأيتَ هذه السلسلة المتلاحقة من الآيات الكونية العظيمة،كيف تُلامس شِغاف القلب؟ ثم ألا تعجب مِن أن هذه المظاهر تُقابلُنا صباح مساء, صيفاً وشتاءً, ثم لا ننتبه لهذا المعاني العظيمة التي أودعها الله تعالى فيها! ثم تأمل ثالثاً، في هؤلاء المخاطبين، من كفار قريش، الذين يُنكرون البعث، ويُنكرون القرآن، ويُنكرون الرسول، ويُنكرون توحيد الله بالعبادة, كيف أن الله سبحانه وتعالى، أيقظهم، ونبّههم، وحَرّك عقولهم البليدة, فهم يرون ذلك دوماً، ويعرفونه, لكنها معرفة باردة؛ لأنها مناظر مُتكررة، رتيبة، لا تُحدث في نفوسهم الأثر المطلوب, فما أشبههم بإنسان ساهٍ، غافل، أتاه مَن أتاه، فأمسكه من منكبيه، وهزّه، وقال له: انتبه, انظر, تَبصّر, تَفكّر, اعتبر, أين أنت؟ فقام مَشدوهاً لِيَنظر, لكن كما قال الله عز وجل: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ }العنكبوت:٤٣, فالآيات موجودة، ومبثوثة، ولكن لا ينتفع بها إلا أهل الإيمان, فلأجل ذلك ساق سبحانه وتعالى، هذه الآيات المتتابعة، لإخراج هؤلاء من غفلتهم، وسدرتهم, لِيصل بهم إلى النتيجة المنطقية؛ وهي: إذا كنتم تُقرون من أول وهلة، ومن أول سؤال: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا), فتقولون بلى, بلى, بلى, في عشر آيات متلاحقة, إذا كان الله سبحانه وتعالى هو الذي صنع ذلك, فمن المستحق للعبادة إذاً؟ أهو الذي صنع ذلك أم غيره ممن لم يصنع شيئاً؟ لا شك أن المستحق للعبادة هو من صنع ذلك. ولهذا لمّا أبطل الله تعالى آلهة المشركين قال: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} الفرقان: ٣, فلا مُسوِّغ لعبادتهم إيّاهم. وقال إبراهيم، عليه السلام، لأبيه: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا} مريم: ٤٢, فلا يستحق العبادة من لم يكن متصفاً بصفات المعبود.

الفوائد المستنبطة من المقطع الثاني :

الفائدة الأولى: أن توحيد الربوبية أساس لتوحيد الألوهية .

الفائدة الثانية: العناية ببيان أدلة الربوبية، وشواهدها في النفس، والآفاق. وبعض الناس يَطيش عنده الميزان, فيقلل من شأن الحديث في توحيد الربوبية، وربما قال : هذا توحيد أبي جهل! لمّا رأى أن المهم هو توحيد العبادة, ظنَّ أن ذلك يقتضي الغض من توحيد الربوبية ! والحق أن توحيد الربوبية هو الأساس الذي يبنى عليه توحيد العبادة. وتأمل قول الله تعالى، في سورة البقرة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: ٢١, فطالبهم بالعبادة مُحتجاً عليهم بأنه خلقهم، والذين من قبلهم, ثم قال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة: ٢٢, فابتدأ بالأمر بالعبادة، وختم بالنهي عن الشرك، و ذكر بينهما توحيد الربوبية.

الفائدة الثالثة: إيقاظ العقول البليدة، للتفكر في المشاهد المتكررة: فكما وُوجه به المشركون، فينبغي أن نعظ أنفسنا به, وألا تتحول هذه المشاهد حولنا إلى جُثث هامدة.

الفائدة الرابعة :الاستدلال بالسهل المشاهد، قبل الصعب الخفي: فهذه الآيات المبثوثة في الكون سهلة، مشاهدة, لا نحتاج إلى المحاضرات لإقامة الدليل عليها, فيُدركها الكبير، والصغير, والعالم، والجاهل, والحضري، والبدوي, وكل أطباق الناس. فلا نذهب لإقامة العقيدة، على الطرق الكلامية، والأدلة الفلسفية الغامضة.

الفائدة الخامسة: استعمال أسلوب الاستفهام، والتنويع، والتكثير، في الأدلة: فأسلوب الاستفهام كما في قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا), وأسلوب التنويع لأنه لم يقتصر على نوع واحد؛ لأن القلوب لها مفاتيح، فقد يتأثر الإنسان بمعنى من المعاني، أو مشهد من المشاهد، ويتأثر غيره بغيره، لأسباب وزّعها الله على بني آدم. وأسلوب التكثير في الأدلة؛ لأن توالي الأدلة، وكثرتها تؤثر في النفس, كتتابع الطّرْق, ومن أدمن الطّرْق أوشك أن يُفتح له. فكل هذه الأساليب التربوية، الإيمانية، ينبغي أن يستفيد منها الداعية إلى الله سبحانه وتعالى في إقناع غيره، وفي التأثير، والموعظة.

والله تعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



(1) ذكره ابن كثير في تفسبره (2/440) بإسناد ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما.

(2) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (1/282), والبيهقي في شعب الإيمان ( 7/431), من طريق محمد بن المنكدر عن جابر قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أينام أهل الجنة؟ فقال: ( النوم أخو الموت, ولا يموت أهل الجنة). قال الهيثمي في مجمع الزوائد: (رواه الطبراني في الأوسط والبزار, ورجال البزار رجال الصحيح ), وقال الشيخ الألباني: (وبالجملة فالحديث صحيح من بعض طرقه عن جابر) راجع (الصحيحة) رقم (1087).

(3) أخرجه البخاري برقم (6320)؛ ومسلم برقم (2714) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.




رحمك الله يا سمية

رقم العضوية : 8411
الإنتساب : Jan 1970
المشاركات : 16,376
بمعدل : 0.93 يوميا

شمائل غير متواجد حالياً عرض البوم صور شمائل


  مشاركة رقم : 63  
كاتب الموضوع : شمائل المنتدى : التفسير قديم بتاريخ : 04-23-2013 الساعة : 12:23 PM

الحلقة (2)

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال تعالى : (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا(8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) )

هذه الآيات استعراض مدهش لعجيب صُنع الله، وبديع خلقه في الآفاق, مما تخضع له الرقاب، وتُذعن له الجباه, ويُقر هؤلاء المخاطبون بحقيقته. واالاستفهام في قول الله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا), استفهام تقريري؛ لأنهم مُقرون بما فيه.

فابتدأ الله تعالى بالآيات الأرضية, ثم ثنّى بالآيات السماوية, فقال أولاً: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا), فهذه الأرض التي تدبّون عليها, وتتنقلون في أكنافها, وتسيرون في مناكبها, وتحرثونها وتزرعونها, ألم نجعلها لكم مهاداً ؟ ومعنى مهاداً أي: ممهدة مفروشة. فهم يمتهدونها، ويفترشونها، كما قال تعالى في الآية الأخرى:{ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } النمل: , فالله تعالى بسط لنا هذه البسيطة, بحيث نطمئنُّ في السير عليها، وفي السُّكنى فوقها، وفي الحرث، والزرع فيها., فهي آية قريبة جداً، نلامسها كل حين. وجواب هذا الاستفهام (بلى)؛ لأنه قد صُدِّر بالهمزة في قوله: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا).

ثم قال تعالى: (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) انتقل إلى مظهر آخر من مظاهر آياته الأرضية، وهى هذه الجبال الراسيات، التي جعلها الله سبحانه وتعالى بمنزلة الأوتاد, كالأطناب للخيمة, فالخيمة لا تثبت، إلا إذا دُقّت أوتادها في الأرض, فكذلك هذه الأرض، لا تستقرُّ إلا بهذه الجبال قال تعالى:{ وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } الأنبياء: , والجبل على هيئة الوتد؛ جزء منه بارزٌ على وجه الأرض, وجزء منه غائر فيها. فدل ذلك على أن هذه الجبال المنظورة، لها في جوف الأرض عُمْق وامتداد. وسبب تسميتها أوتاداً؛ لأنها تمنع الأرض من الحركة، والاضطراب، والزلازل, إلا ما شاء الله. فالله تعالى، بحكمته البالغة، قد وزّع الأثقال في الأرض، بحيث تمنعها من أن تميد وتضطرب. أو أن المراد: أن هذه الأوتاد، والكتل الضخمة من الجبال التي إذا رأى الإنسان بعضها، يندهش من هولها، وعظمتها، لها ما يقابلها في أغوار البحار. بمعنى أن الله سبحانه وتعالى كما جعل هذه المرتفعات الشاهقة فوق الأرض، قابل ذلك بخلق البحار والأودية، والأغوار.

والله تعالى يذكر الأرض، والسماء، والجبال، مقترنةً، في غير ما موضع في كتابه؛ منها قوله عز وجل:{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } الأحزاب: , وسيأتي إن شاء الله تعالى، في سورة سبح، ذكر هذا الاقتران.

ثم قال تعالى: ( وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا(8)), وهذه نقلة من الآفاق إلى الأنفس. وكلها آيات لله عز وجل قال سبحانه وتعالى:{ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }فصلت: .

فقوله تعالى: (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا)، المراد بالزوجية: الذكورة، والأنوثة. فإن الله سبحانه وتعالى، قد ركّب نظام الخلق، وسر التكاثر، على هذه الزوجية. وهذا ليس عند بني الإنسان فقط, بل حتى عند الحيوانات، والحشرات، والنباتات، وغيرها من المخلوقات. فالتزاوج يحصل به التناسل، والتكاثر، وحفظ النوع. وهو آية عظيمة, فالله تعالى، في الأصل، خلقنا من نفس واحدة؛ وهو آدم عليه السلام. ثم إن الله تعالى، خلق من ضِلْعه الأيسر القصير أُمّنا حواء, فنام آدم نومة في الجنة, فاستيقظ فإذا هي إلى جواره, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }النساء: , والآن يعمر الأرض من الآدميين، ما يزيد على ست مليارات من البشر, مُختلفو الأجناس، والأعراق، والألوان، واللغات, كلهم يرجعون إلى أب واحد، وأمٍّ واحدة. فهذه آية عظيمة! وإذا تفكر الإنسان في خلق الرجل، وخلق المرأة، وكيف جعل الله تعالى، أحدهما يُكمل الآخر. ولما فتح الله تعالى، على الناس العلوم الحديثة والبحوث المَخْبرية , زاد إيمان المؤمن ببديع صنع الله. وهذا التزاوج ينشأ عن التقاء حيوان مِنويٍّ من الذكر، وبًُويضة من الأنثى. وهاتان خليّتان تختلفان عن سائر الخلايا, فكل خليّة من خلايا البدن، كما يقول المتخصصون في علم وظائف الأحياء، تحمل ستة وأربعين مُورِّثاً، أو (جيناً), المُسمى عندهم بـ (الكروموسومات), إلا الخليّة التناسلية, فإن في الحيوان المنوي ثلاثة وعشرين, وفي البويضة ثلاثةً وعشرين. فإذا حصل التلقيح، والإخصاب، بإذن الله، انضم هذا من الرجل، وهذا من الأنثى، فحصل التخليق. كما أن هذا التزاوج, ليس تزاوجاً حسياً فقط, بل تزاوج نفسي أيضاً؛ فإن الذكر يأنس بالأنثى, والأنثى تأنس بالذكر. ولهذا امتن الله، عز وجل، على عباده بذلك، وجعل ذلك من آياته، فقال في الآية الأخرى:{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } الروم: , فهذا جانب روحي, وليس جانباً مادياً, ولا يستغني عنه الإنسان.

ثم قال تعالى: (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9)), هذا أيضاً، مظهر من مظاهر القدرة الإلهية، والآيات العظيمة في النفس, وهو هذا النوم الذي يُلقيه الله تعالى، على أحدنا، فيدخل في حالة ليست كحالة اليقظة, وليست أيضاً كحالة الموت, بل هي حالة وسيطة، لابد للإنسان منها. وقد وصفها الله سبحانه وتعالى بأنها: سُبات. وأحسن ما قيل في تعريف السُبات: أنه الرَّاحة، والسَكْن. وقيل غير ذلك؛ فقيل: إن معنى سُباتاً أي: موتاً. وقيل: قطْعاً للحركة. وهذه المعاني تؤول في النهاية إلى هذه المِنّة، وهي أنه يحصُل بهذا النوم الراحة، والسَكْن. ولو استرسل الإنسان في اليقظة لأضرّ به ذلك في بدنه, فالبدن يحتاج إلى راحة, ولأضرّ به في نفسه؛ لأن النفس تُنهك، وتُرهق, ولأضرّ به في عقله, فإن العقل لا يُطيق أن يعمل باستمرار, فلذلك ألقى الله تعالى علينا هذا النوم، وحتى لو لم نستدعْه، لاضطررنا إليه، ولألقانا.

وقد جاء في الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله. فناداه ربه عز وجل: يا موسى سألوك: هل ينام ربك؟, فخذ زجاجتين في يديك, فقم الليل. ففعل موسى, فلمّا ذهب من الليل ثلث, نعس فوقع لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما, حتى إذا كان آخر الليل نعس, فسقطت الزجاجتان فانكسرتا. فقال: يا موسى، لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك(1). فسبحانه تعالى وبحمده, هو الحي، القيوم، الغني بنفسه. أما الآدمي، فإنه ضعيف بطبعه يحتاج إلى النوم. والنوم في حق الله نقص، يُنزه عنه، قال تعالى: {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ .. } البقرة:, لكن النوم في حق الآدمي كمال، ونفع، وفائدة. وهو آية من آيات الله، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} الروم: , والنوم أخو الموت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم(2), لكنه أخوه الأصغر؛ لأنه دون ذلك, قال تعالى : {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الزمر: , وأنت إذا أويت إلى فراشك تقول: (بِاسْمِكَ رَبّي وَضَعْتُ جَنْبِي, وَبِكَ أَرْفَعُهُ, إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا, وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ)(3).

إن علاقة الروح بالبدن، ليست علاقة متساوية, ولكن بين الروح والبدن أنواع خمسة من التعلقات نُدركها بالتتبع والاستقراء:

النوع الأول: علاقة الروح بالبدن في المرحلة الجنينية: وهى علاقة ضعيفة، إلى حد أننا لا نذكر هذا التعلق, مع أننا نقطع بأن الجنين بعد أربعة أشهر تنفخ فيه الروح, ولكن ما منا أحد يذكر ذلك الحال؛ من وجود روحه في بدنه.

النوع الثاني: تعلق الروح بالبدن في حال اليقظة، في الدنيا: ولا نحتاج إلى وصفه، لأننا نعيشه.

النوع الثالث: تعلق الروح بالبدن في حال النوم في الدنيا: فإنها حال مستقلة، لا تُغادر الروح الجسد مغادرة تامة, ولها فيه نوع تعلق. ولذلك نجد أن النائم أحياناً يظهر عليه التبرم، بسبب الحرّ ، أو بسبب الإزعاج, مع أنه ليس في وعيه, ويظهر عليه أثر البرد، فيقشعر بدنه, ويظهر عليه أثر الراحة والاستغراق. فهناك علاقة وسيطة.

النوع الرابع: تعلق الروح بالبدن في الحياة البرزخية: وهذه حالة عجيبة، لا نُدركها الآن, ولكن الإيمان بالغيب يقتضي أن نؤمن بها؛ فإن روح الميت تُردُّ إلى بدنه، حين يُوضع في قبره, فيأتيه الملكان، فيسألانه الأسئلة الثلاثة المعروفة، ثم يعقبها نعيم أو عذاب. ولكنها حال لا يُدركها إلا المقبور؛ فهو الذي يُحسُّ بنعيم القبر، أو عذابه.

النوع الخامس: وهو أكمل أنواع التعلقات, تعلق الروح بالبدن بعد البعث، إما في الجنة، أو في النار: فهذا التعلق تعلق وثيق، واتصال عميق. ولهذا يجد المؤمن غاية النعيم في الجنة, ويجد الكافر غاية العذاب في النار, لشدة التصاق روحه ببدنه.

ثم قال الله عز وجل: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11)), لقد جعل الله عز وجل هذه الحياة تتراوح بين ليل ونهار, بين ظلمة وإسفار. وما أحسن هذا التعقيب بعد ذكر النوم, فقد ذكر الله تعالى مَحلّه، وظرفه، وهو الليل. فما أن تسقط الشمس في المغيب، حتى يُقبل جيش الليل. ويأتي هذا الجُند الظلامي، ويُغطي الأرض، ويُكنّها، ويَغشاها، كأنه لباس! أرأيت لو أخذتَ ثوباً أسود، وغشّيْتَ به إنساناً، فإنه لا يُبصر شيئاً. فهذا اللباس الرباني يَكسو الله به الأرض، كل يوم، ويحصل من جَرّاءه هدوء، وسكينة، وآثار حميدة، قد لا نُدرك جميعها. ولهذا امتن الله على عباده فقال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ} القصص:, لا أحد, فالله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} الزمر: , وقال تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يس: , ولو اختل هذا الميزان، لظهر ذلك على الآدميين.

حدثني بعض الناس، ممن عاش في منطقة قريبة من الدائرة القطبية في شمال إحدى الدول الاسكندنافية, قال: عملتُ في بلد لا نرى فيه الشمس ستة أشهر, تأتي دقائق معدودة, ويرتفع قرص الشمس، ثم يسقط مباشرة, فنعيش في ظلام دامس, إلا ما يحصل بالإضاءة الكهربائية, حتى إن أحدنا يستيقظ من النوم، ويُبصر ساعته، فيجد الساعة مثلاً، السادسة , فيسأل من حوله: الساعة السادسة، صباحاً أو مساءاً؟ لا يدري؛ لأن الزمن كله ليل! والشاهد في هذا, أنه يقول: إن حياة الناس في تلك البلدة، وهو ليس من أهلها, إنما قدم للعمل فيها، حياة كئيبة، يُحس الإنسان فيها بالكآبة، والانقباض، والتجهم في وجوه الناس.

إن من نعمة الله عز وجل، على هذه البلاد, التي أنزل فيها القرآن، وجعلها مهبطاً للرسالة، و منطلقاً للدعوة، أن جعلها بلاداً متوسطة, تتعاقب فيها الفصول, ويتعاقب فيها الليل والنهار, يَزيدان ويَنقصان, فهي سُرّةُ العالم, وقلب الدنيا.

وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا), معنى معاشاً أي: تتعيّشون فيه، وتطلبون فيه رزقكم؛ تحرِثون، وتتّجرون، وتعملون، لأن هذه الإضاءة الطبيعية تمكننا من ذلك, ولو اجتمع كل من بأقطار الأرض على أن يُضيئوا الدنيا بما عندهم من آلات، ومولدات، لم يبلغوا نزرا يسيراً من هذا الضوء الذي يجلبه الله تعالى لنا في النهار.

وبعد ذكر هذه الأحوال البشرية الأرضية، نقلنا نقلة عُلوية، فقال: (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) ), فإذا البصر يشهق إلى أعلى، ليتأمل في هذا البناء المُحكم المتين, وهو السموات. فالسماء مبنية، كما أخبر الله عز وجل: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: , وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} الأنبياء: , فهي سقف حقيقي, وعبّر في موضع آخر عن السموات بأنها: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} المؤمنون: , ففوقنا سبع سموات. ومعنى (شِدَاداً) أي: متينة، محكمة، متماسكة, كما قال الله عز وجل: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ} الملك: , أي: من ثُقوب، وصدوع. {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ } حاول مرة ثانية، وثالثة, {كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ} الملك: , حسر البصر أن يُجد ثُقباً واحداً، في هذا البناء المُحكم.

وهذه السموات السبع، لا ندرك كيفيتها, هل المقصود بها ما يُشير إليه علماء الفلك، أنها المِجرّات, ويقولون: إن كل مجرة يتبعها قريب من مئة مليون نجم, وهذه النجوم أكبر من الشمس بآلاف المرات, أم أنها غير ذلك؟ الله أعلم. لكننا نؤمن بوجود سبع سموات, وأن المباشر لنا منها هي السماء الدنيا.

والبناء يدل على وجود نظام يحكمها, بحيث لا يَحيد جُرم سماوي عن مجراه قِيد أَنْمُلة, هذا هو الشد والإحكام والإتقان في بناءها.

ثم لمّا ذكر الله عز وجل السماء, ذكر بعض آياتها, بل ذكر أعظمها بالنسبة لما تُدركه أبصارنا، وهو: الشمس. ووصفها بهذا الوصف الجميل المُعبّر: (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13)), فإن السراج يجمع وصفين: الإضاءة، والحرارة. فهو مَجلبة للنور ومَجلبة للدفء. وزاد ذلك بأن قال: (وَهَّاجًا), فهو يَتوهج. شتان بين الشمس والقمر؛ فالقمر كوكب ذو جُرم بارد، كالمرآة، يعكس نور الشمس. فلذلك لا نجد من القمر دفئاً, وإن كُنّا نجدُ منه نوراً, لكنه دون إضاءة الشمس. أما الشمس فإنها تتوهج، وتبعث بالحرارة, ويترتب على ذلك، أي: الحرارة والإضاءة، أمور حيوية كثيرة جداً، تتعلق بصحة الإنسان، وبنمو النبات، وغير ذلك مما نُدركه، وما لا نُدركه. ولا ريب أن العلوم الحديثة؛ من علوم الفلك، وعلوم الأحياء، وعلوم وظائف الأعضاء, كشفت آفاقاً واسعة في هذا المقام, لكن القَدْر الذي بيّنه الله تعالى لعباده كافٍ في إقامة الحجة, فإن الناس يُدركون ذلك، وهم يَتنعمون بضوء الشمس وبدفئها، وبرؤية أثرها على النبات, والحيوانات.

ثم قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14)), والمعصرات قيل فيها عدة أقوال: قيل إن المراد بها: السحاب. وقيل: الرياح. وقيل: السماء. وأقربها الأول. فهذه السُّحب التي تسافر إلينا من أماكن بعيدة،نشأت عن تسليط الله لضوء الشمس، ووهجها، على المسطحات الهائلة من المحيطات, فتتبخر كميات هائلة من مياه البحار، وترقى في طبقات السماء، ثم تتكثف،بعضها إلى بعض, ثم يُرسل الله الرياح كالقطارات، تقطرها، وتحملها إلى بلد ميت, إلى أرض قاحلة, كالمناطق القارّيّة، البعيدة عن مصادر المياه. يَسوقها الله عز وجل، بهذه الرياح، حتى يُوقفها في المكان الذي أراد أن تُنزل فيه حمولتها, فحينئذ تُعتصر، فتُنزل عُصارتها على هذا المكان الميت, فيُحي الله بهذا الماء أرضاً ميتة! ولو اجتمع مَنْ بأقطار الأرض، على أن ينقلوا عُشْر مِعشار هذا الماء لم يتمكنوا.

وقوله تعالى: (مَاءً ثَجَّاجًا) هو ماء مطلق, ماء نقي, ماء طهور, ومعنى (ثَجَّاجًا) أي: غزيراً، كثيراً. فسبحان من حمل هذه الأطنان من المياه، بين السماء والأرض, ثم صبها حيث شاء.

وعلى القول الآخر، بأن المراد بالمعصرات: الرياح. نجعل (مِنْ) بمعنى (الباء)، فكأن التقدير: وأنزلنا بالرياح ماءاً ثجاجاً. لأن الرياح هي التي تسوق السحاب, لكن القول الأول أولى. وأما من فسرها بالسماء, فإشارة إلى عُلوّها، وكلُّ ما علاك فهو سماء لك.

وهذا السّوْق لحكمة، كما قال تعالىلِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) ), فتبارك الله, أرض قاحلة غبراء، لا ترى فيها أثراً لحياة, يُصب عليها ماء السماء, فإذا بها تُنبت أزاهير، وحُبوباً، وثماراً، وفواكه, فمن أودع الأرض هذه البذور وأنبتها؟ إنه الله سبحانه وتعالى.

وقوله تعالى: (لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا), الحبُّ: اسم جنس يشمل كل ما يخطر ببالك من الحبوب؛ من بُر، وشعير، وأرز، وغير ذلك. وكذلك النبات: يشمل كل نبات مما يأكله الآدمي، وتأكله الحيوانات. وكل هذا من جَرّاء سَوْق الله تعالى لهذه المُعصرات إلى هذه الأرض.

وقوله تعالى: (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا), الجنات هي: البساتين. وسُميت جنات؛ لأنها تُجِنُّ صاحبها، أي: تستره. ولهذا قال: (أَلْفَافًا) أي: ملتفة, والملتف فيها أغصان الأشجار, فإنها لكثرتها، التفَّ بعضها على بعض, كل ذلك من آثار ماء السماء، الذي سقى الله تعالى به هذه الأرض, فإذا بها تتحول إلى حديقة غَنَّاء, تَصدح فيها الطيور، وترعى فيها السائمة، ويأكل منها الإنسان.

أرأيتَ هذه السلسلة المتلاحقة من الآيات الكونية العظيمة،كيف تُلامس شِغاف القلب؟ ثم ألا تعجب مِن أن هذه المظاهر تُقابلُنا صباح مساء, صيفاً وشتاءً, ثم لا ننتبه لهذا المعاني العظيمة التي أودعها الله تعالى فيها! ثم تأمل ثالثاً، في هؤلاء المخاطبين، من كفار قريش، الذين يُنكرون البعث، ويُنكرون القرآن، ويُنكرون الرسول، ويُنكرون توحيد الله بالعبادة, كيف أن الله سبحانه وتعالى، أيقظهم، ونبّههم، وحَرّك عقولهم البليدة, فهم يرون ذلك دوماً، ويعرفونه, لكنها معرفة باردة؛ لأنها مناظر مُتكررة، رتيبة، لا تُحدث في نفوسهم الأثر المطلوب, فما أشبههم بإنسان ساهٍ، غافل، أتاه مَن أتاه، فأمسكه من منكبيه، وهزّه، وقال له: انتبه, انظر, تَبصّر, تَفكّر, اعتبر, أين أنت؟ فقام مَشدوهاً لِيَنظر, لكن كما قال الله عز وجل: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ }العنكبوت:, فالآيات موجودة، ومبثوثة، ولكن لا ينتفع بها إلا أهل الإيمان, فلأجل ذلك ساق سبحانه وتعالى، هذه الآيات المتتابعة، لإخراج هؤلاء من غفلتهم، وسدرتهم, لِيصل بهم إلى النتيجة المنطقية؛ وهي: إذا كنتم تُقرون من أول وهلة، ومن أول سؤال: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا), فتقولون بلى, بلى, بلى, في عشر آيات متلاحقة, إذا كان الله سبحانه وتعالى هو الذي صنع ذلك, فمن المستحق للعبادة إذاً؟ أهو الذي صنع ذلك أم غيره ممن لم يصنع شيئاً؟ لا شك أن المستحق للعبادة هو من صنع ذلك. ولهذا لمّا أبطل الله تعالى آلهة المشركين قال: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} الفرقان: , فلا مُسوِّغ لعبادتهم إيّاهم. وقال إبراهيم، عليه السلام، لأبيه: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا} مريم: , فلا يستحق العبادة من لم يكن متصفاً بصفات المعبود.

الفوائد المستنبطة من المقطع الثاني :

الفائدة الأولى: أن توحيد الربوبية أساس لتوحيد الألوهية .

الفائدة الثانية: العناية ببيان أدلة الربوبية، وشواهدها في النفس، والآفاق. وبعض الناس يَطيش عنده الميزان, فيقلل من شأن الحديث في توحيد الربوبية، وربما قال : هذا توحيد أبي جهل! لمّا رأى أن المهم هو توحيد العبادة, ظنَّ أن ذلك يقتضي الغض من توحيد الربوبية ! والحق أن توحيد الربوبية هو الأساس الذي يبنى عليه توحيد العبادة. وتأمل قول الله تعالى، في سورة البقرة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: , فطالبهم بالعبادة مُحتجاً عليهم بأنه خلقهم، والذين من قبلهم, ثم قال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة: , فابتدأ بالأمر بالعبادة، وختم بالنهي عن الشرك، و ذكر بينهما توحيد الربوبية.

الفائدة الثالثة: إيقاظ العقول البليدة، للتفكر في المشاهد المتكررة: فكما وُوجه به المشركون، فينبغي أن نعظ أنفسنا به, وألا تتحول هذه المشاهد حولنا إلى جُثث هامدة.

الفائدة الرابعة :الاستدلال بالسهل المشاهد، قبل الصعب الخفي: فهذه الآيات المبثوثة في الكون سهلة، مشاهدة, لا نحتاج إلى المحاضرات لإقامة الدليل عليها, فيُدركها الكبير، والصغير, والعالم، والجاهل, والحضري، والبدوي, وكل أطباق الناس. فلا نذهب لإقامة العقيدة، على الطرق الكلامية، والأدلة الفلسفية الغامضة.

الفائدة الخامسة: استعمال أسلوب الاستفهام، والتنويع، والتكثير، في الأدلة: فأسلوب الاستفهام كما في قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا), وأسلوب التنويع لأنه لم يقتصر على نوع واحد؛ لأن القلوب لها مفاتيح، فقد يتأثر الإنسان بمعنى من المعاني، أو مشهد من المشاهد، ويتأثر غيره بغيره، لأسباب وزّعها الله على بني آدم. وأسلوب التكثير في الأدلة؛ لأن توالي الأدلة، وكثرتها تؤثر في النفس, كتتابع الطّرْق, ومن أدمن الطّرْق أوشك أن يُفتح له. فكل هذه الأساليب التربوية، الإيمانية، ينبغي أن يستفيد منها الداعية إلى الله سبحانه وتعالى في إقناع غيره، وفي التأثير، والموعظة.

والله تعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



(1) ذكره ابن كثير في تفسبره (2/440) بإسناد ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما.

(2) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (1/282), والبيهقي في شعب الإيمان ( 7/431), من طريق محمد بن المنكدر عن جابر قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أينام أهل الجنة؟ فقال: ( النوم أخو الموت, ولا يموت أهل الجنة). قال الهيثمي في مجمع الزوائد: (رواه الطبراني في الأوسط والبزار, ورجال البزار رجال الصحيح ), وقال الشيخ الألباني: (وبالجملة فالحديث صحيح من بعض طرقه عن جابر) راجع (الصحيحة) رقم (1087).

(3) أخرجه البخاري برقم (6320)؛ ومسلم برقم (2714) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.




رحمك الله يا سمية

رقم العضوية : 8411
الإنتساب : Jan 1970
المشاركات : 16,376
بمعدل : 0.93 يوميا

شمائل غير متواجد حالياً عرض البوم صور شمائل


  مشاركة رقم : 64  
كاتب الموضوع : شمائل المنتدى : التفسير قديم بتاريخ : 04-23-2013 الساعة : 12:25 PM

المقطع الثالث
(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30))

هذا القرآن العظيم، نزل قولاً ثقيلاً، محكماً، رصيناً, على قومٍ كانوا يعيشون في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء, على قوم لا يرون موتاً، ولا بعثاً، ولا حياة، ولا نشوراً. قوم يقول قائلهم: إنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر! يأكلون، ويتمتعون كما تأكل الأنعام، وتتمتع. فلما أراد الله بهم خيراً، بعث فيهم هذا النبي العظيم، وأنزل إليه هذا القول الكريم؛ ليخرجهم من غفلتهم، وسدرتهم, فحركت أذهانهم، وهزت كيانهم، وأيقظتهم من غفلتهم، ورقدتهم، ولفت انتباههم إلى ما في هذا الكون من الآيات البينات، والحجج الباهرات، ليستدلوا بها على توحيد الألوهية، وأن الله وحده، هو المستحق للعبادة، وأنه لا يمكن أن يخلق هذا الكون سدى، ولا عبثاً, بل لحكمة بالغة. فلما قرر الله تعالى ذلك فيما تقدم من الآيات، ختمها بآيتين، هما كالوصلة للآيات التاليات، فقال : (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) . وفي هذا ملحظ بديع! كأن الله تعالى يقول: انتبهوا. هذه الجنات الألفاف، أخرجها الله من أرض موات! فالقادر على أن يُحيي الأرض بعد موتها، قادر على أن يخرجكم من قبوركم أحياء, كما قال الله تعالى في سورة (ق)، بعد أن ذكر إنزال المط، وإنبات النخيل، قال بعد ذلك : (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ).
قال الله عز وجل: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) (إن): حرف توكيد, فهذه جملة مؤكَّدَة, جملة تامة، ذات دلالة قوية. ويوم الفصل هو: يوم القيامة. وهذا أحد أسمائه. وأسماء يوم القيامة كثيرة جداً, وقد عدَّ القرطبي، رحمه الله، منها خمسين اسماً، وعدَّ ابن كثير، رحمه الله، ثمانين اسماً. وهذه الأسماء بعضها مبثوث في كتاب الله, وبعضها في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبعضها أوصاف أطلقها بعض العلماء. فمما جاء في كتاب الله تعالى: (يوم الدين), (يوم التغابن), (الطامة), (الصاخة), (يوم التلاق), (الحاقة), (الغاشية), (القارعة), (يوم الحساب), (يوم التغابن), (يوم الحشر), (يوم الآزفة),و(يوم الفصل) كما هاهنا. فهي كثيرة جداً, وهذه الكثرة ليست فقط كثرة في الأسماء, لكن لها دلالتها, فإن كل اسم من هذه الأسماء يُعطي دلالة معينة, فـ(القارعة)؛ لأنها تقرع القلوب. و(الصاخة)؛ لأنها تصخ الآذان. و(الآزفة)؛ لقربها. وهكذا في كل اسم من هذه الأسماء. وهذه الكثرة في الأسماء، تدل على عظيم العناية بالإيمان باليوم الآخر.
فقوله: ( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ) أي: الفصل بين الخلائق؛ فريق في الجنة، وفريق في السعير, والفصل في المظالم, فينال الظالم جزاء ظلمه، ويُعوض المظلوم عن مظلمته. فالفصل يتناول كل ملتبس. وقوله: (كَانَ مِيقَاتًا) أي: أنه موعد مؤقت, قد وقته الله تعالى، وعلم زمن حصوله, ولكنه أخفاه. ولهذا اعتذر النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل، حين سأله عن الساعة, فقال: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ "(1), فأعظم رسول بشري، وأعظم رسول ملكي، كلاهما لا يعلمان متى الساعة, كما قال الله عز وجل: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا . فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا . إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا) [النازعات/42-44], وفي الآية الأخرى يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الأعراف/187]. ولما سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة, متى الساعة؟ قال: "وماذا أعددت لها؟"(1), فلم يقل في يوم كذا، وكذا. فالله تعالى قد أخفى عنا الساعة، إلا أنا نعلم أنها تأتي بغتة، وأنها مجهولة الموعد، وأنها شديدة الوقع. فالساعة يخاف منها المؤمنون، لتعظيمهم لله سبحانه وتعالى قال عز وجل: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ . يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) [الشورى/17، 18]. والساعة كما سبق، لا تأتي إلا بغتة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا، فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ، وَلَا يَطْوِيَانِهِ. وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ، فَلَا يَطْعَمُهُ . وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ، وَهُوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ، فَلَا يَسْقِي فِيهِ. وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ، وَقَدْ رَفَعَ أَحَدُكُمْ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا"(2). فأمرها يقع فجأة، وسرعة. وقد جاء في صحيح البخاري، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ. قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالَ: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالَ: ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ، لَيْسَ مِنْ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"(3). فابن آدم يتحلل، ويفنى، ويعود تراباً، ولا يبقى منه إلا عجب الذنب؛ وهو العصعص, فيحفظ الله تعالى في هذا المتبقي منه، الصفات الوراثية التي منه يركب الخلق.
وقوله تعالى: ( يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا) هذا بيان وتوضيح, أي: أن يوم الفصل هو يوم ينفخ في الصور, وأتى بصيغة الفعل الذي لم يُسمَّ فاعله، لتفخيمه وتعظيمه. و(الصُّورِ) : هو البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل، عليه السلام، النفخة الأولى، التي يكون بها الصعق، والنفخة الثانية، التي يكون بها النشر. وقد جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: "كَيْفَ أَنْعَمُ! وَقَدْ الْتَقَمَ صَاحِبُ الْقَرْنِ الْقَرْنَ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَأَصْغَى سَمْعَهُ، يَنْظُرُ مَتَى يُؤْمَرُ"(1) أي: كيف أتنعم، وأهنأ بالعيش، وصاحب القرن، إسرافيل عليه السلام، قد التقم قرنه، أي: وضعه في فيه، استعداداً للنفخ، ينتظر أن يؤمر. فالذي يذكر هذا، لا يطيب له عيش, لأنه يخشى موعود الله عز وجل.
ففي قوله تعالى: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا) مشهد مهيب، رهيب, فإن البعث أمره عجيب: كل من دب على وجه الأرض، ثم مات، وتحلل فيها، يجمع الله خلقه يوم القيامة, فيُبعث الناس حفاةً، عراةً، غرلاً، بهماً، ويقومون لرب العالمين، يساقون على هيئة أفواج؛ زمراً زمراً! وتخيل هذا الحشد العظيم؛ من لدن آدم، عليه السلام، طوله ستون ذراعاً في السماء, ثم لم يزل الخلق ينقص بعد ذلك، إلى أن آل إلى ما نحن عليه، ولا ندرى إلى ما يؤول أيضاً بعدنا، في موكبٍ واحد، على صعيد واحد، على تفاوت أحجامه، وأطواله، وألوانه! وقوله تعالى: (أَفْوَاجًا) أي: فوجاً إثر فوج، والفوج: هم الجماعة من الناس. وقارن بين تلك الصورة التي ذكرها سابقاً، من حال الدنيا واستقرارها، بقوله: (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) وهذا الانقلاب الكوني الهائل .
ثم قال تعالى: (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا): فهذه السماء التي لا ترى فيها الآن ثقباً، ولا قدر رأس الإبرة، كما قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ . ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) [الملك/3، 4], فإذا بهذه السماء المحكمة، المتماسكة، المبنية، تنشق يوم القيامة، وتنفتح فيها فرج، وطرائق؛ ليهبط منها الملائكة, قال تعالى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا) [الفرقان/25]، فتنشق كل سماء، ويهبط ملائكتها، فيحيطون بأهل الأرض إحاطة السوار بالمعصم. ولاحظ في قوله تعالى: (وفتحت)، و(ينفخ)، وما بعدهما،كلها بصيغة الفعل الذي لم يُسمَّ فاعله, وذلك من باب التفخيم والتعظيم.
قال تعالى: (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا)، فهذه الجبال الذي قال عنها قبل بضع آيات: (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا), هذه الجبال الراسيات، تسيَّر بعد أن كانت تحفظ توازن الأرض، وتضبط استقرارها. والسراب إما أن يكون المراد به الهباء، أو هو تشبيه له بالماء, وليس بماء، كالذي يراه المسافر في شدة الحر، يزول أمامه يظنه ماء, يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً. فهذه الجبال تتراءى لأهل الموقف على هذه الصورة؛ كالسراب. وهذا حال من أحوال الجبال يوم القيامة, ذلك أن الجبال يمر بها يوم القيامة أحوال متعددة؛ منها التسيير، كما في هذه الآية، وفي قوله تعالى: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل/88], ويمر بها أيضاً حال الدك، والنسف, قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا . فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا . لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) [طه/105-107] وقال في آية أخرى: (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا) [الواقعة/5]، أي: نثرت، ودكت، حتى تصبح كالرماد. فالجبال تعتريها يوم القيامة هذه الأحوال, إلى أن يتحول وجه البسيطة قاعاً صفصفاً, ليس فيه معلم لأحد؛ ليس فيه مرتفع، ولا منخفض، بل تصبح الأرض كالقرصة .
ثم قال الله عز وجل: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا) جهنم: اسم من أسماء النار, وللنار أسماء كثيرة، وكل اسم من أسمائها يدل على وصف، وحال. ومن أشنع أسمائها (جهنم)، وهي من الجهومة، والسواد. ومعنى (مِرْصَادًا) أي: مكان رصد، وترقب. فهي مترصد لا يجاوزها أهلها حتى يقعوا فيها, والترصد. وذلك أن ما من أحد، إلا ويُعرض على النار, يقول الله عز وجل: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا)[مريم/71] أي: إلا مار فوقها, وذلك حين يؤمر الناس بالجواز على الصراط، وهو من أصعب مواقف يوم القيامة، حتى إن دعاء الرسل في ذلك الموطن: اللهم سلّم، سلّم! فحين يعرض الناس على النار، ويمرون فوقها، يتضح كيف تكون (مِرْصَادًا).
أما أهل النار، الذين هم أهلها، فقد دلت النصوص على أنهم يلقون فيها؛ تجمع أيديهم إلى أعناقهم، ثم يقذفون فيها. وإنما يمر فوق الصراط، الموحدون. فمن سبقت له من الله الحسنى، فإنه يجوزه، دون أن يصيبه شيء. فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح المرسلة، ومنهم من دون ذلك، ومنهم من تخطفه كلاليب على جنبتي الصراط، فتهوي به في النار. فلهذا كانت (مِرْصَادًا)، فهي مرصد للطاغين الذين هم أهلها، وكذلك لمن أراد الله، عز وجل، أن يعاقبه بقدر ذنبه، من عصاة الموحدين.
وقوله تعالى: (لِلطَّاغِينَ مَآَبا) الطغيان هو مجاوزة الحد, فإذا تجاوز العبد حده كان حقيقاً بالعذاب, إلا أن يتجاوز الله تعالى عنه. والله يمكن أن يتجاوز عن كل شيء إلا عن ذنب واحد، هو الشرك, قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) [النساء/48]. لكن لا ريب أن مرتكب الكبيرة مجازف، مخاطر. ومعنى (مَآَبا) أي: مرجعاً، ومصيراً. فالأوب: بمعنى الرجوع، والمصير.
وقوله تعالى: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا): معنى (لَابِثِينَ) أي: ماكثين, و(أَحْقَابًا) جمع حقب. والمقصود بالأحقاب: المُدد الطويلة. وقد ورد تقديرها في أحاديث مرفوعة، وموقوفة، وآثار عن بعض التابعين؛ فمنهم من قال: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة فيها اثني عشر شهراً, كل شهر فيه ثلاثون يوماً، وكل يوم بألف سنة. ومنهم من قال: سبعون سنة، على التقسيم السابق. ومنهم من قال: أربعون. ومنهم من قال أكثر، ومنهم من قال أقل. وعلى أي حال، فالأحقاب تدل على مدد طويلة، لكن ها هنا قد يثور إشكال، فربما قال قائل: وماذا بعد الأحقاب؟ أيخرج أهل النار، الذين هم أهلها، منها، أم لا؟ فالذين فسروا الأحقاب بالمدد الطويلة، خرجوا من هذا الإشكال، بأن قالوا: المراد بأنهم (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) أي: حقباً إثر حقب, بحيث لا يتناهى, فهذا خلود مستمر، لا انقطاع فيه. وأما من قال: إن أهل النار، الذين هم أهلها، يخرجون منها بعد مدد طويلة, فربما استدل بهذه الآية على خروجهم. لكن الذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة، أن أهل النار، الذين هم أهلها, دعك عن عصاة الموحدين, أي: الكفرة، والمشركون, لا يخرجون منها أبداً؛ لأن الله عز وجل ذكر التأبيد في خلودهم، في كتابه، في ثلاثة مواضع. وذهب ابن جرير الطبري، رحمه الله، إلى توجيه آخر، فقال: إن متعلق قوله (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) بما بعدها، وهو قوله: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا) أي: أنهم في نوع، ولون، من أنواع، وألوان الجحيم, يمكثون فيه هذه الأحقاب, ثم ينتقلون إلى لون آخر. فيكون هذا التحديد، في هذه المدة، تختص بلون، ونوع، من أنواع العذاب.
ومعنى(برداً): الهواء البارد، أو الماء البارد. وقيل: إن المقصود بالبرد: النوم, فإن العرب تسمي النوم برداً. وقوله: (إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا) هذا الاستثناء استثناء منقطع، لأنك لو رفعت (إِلَّا) ووضعت بدلاً منها (بل) صح المعنى, أي: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا) بل يذقون (حَمِيمًا وَغَسَّاقًا). والحميم: هو الماء المتناهي في الحرارة, شديد الغليان, حتى أنهم، والعياذ بالله، إذا استسقوا، أتوا بالحميم ليشربوه، فتسقط جلدة وجهه فيه، كما أخبر الله، عز وجل، عن ذلك في سورة الكهف، و غيرها، قال تعالى : (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ) [الكهف/29]، وقال: (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) [محمد/15] فهذه سقيا أهل النار، والعياذ بالله، الحميم، وبئس الشراب. وأما الغساق، فقد ورد ذكره في القرآن في غير هذا الموضع, قال تعالى: (هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ . وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ)[ص/57، 58]. فالغساق، المراد به صديد أهل النار، وما يخرج من قيحهم، وجروحهم، ودموعهم، وغير ذلك من أذاهم، الذي يساق إليهم. وقيل: إن الغساق معناه: المنتن. ولا تنافي بين المعنيين, فإنه يكون من صديد أهل النار، وقروحهم، وجروحهم، ويكون أيضاً منتناً. ووصف أيضاً بأنه بارد, فهو يأتيهم على هذه الصفة ويكون بارداً، متنناً، والعياذ بالله.
قال تعالى: (جَزَاءً وِفَاقًا) أي أن هذا الذي نالوه، إنما هو بسبب كفرهم بالله، عز وجل، (وِفَاقًا) على ما قدموا من سالف أعمالهم السيئة، والجزاء من جنس العمل. ثم علل الله تعالى، استحقاقهم لهذا العذاب الشنيع، فقال سبحانه: (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا) أي: كانوا في الدنيا لا يخافون, فيرجون هنا، بمعنى يخافون. وإنما فسرت (يَرْجُونَ) بمعنى يخافون, لأن الرجاء جاء هنا منفياً, فإذا جاء الرجاء منفياً، فإنه بمعنى الخوف, لأنه رجاءٌ يُخاف ألا يتم. ليس المقصود يرجون أي: يتمنون ويبغون ويطلبون, كلا, بل المقصود ضد ذلك, وهذه قاعدة مطردة في القرآن العظيم. فقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا) أي أنهم كانوا ينكرون البعث، حتى إن أحدهم، وهو أبي ابن خلف، أتى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه عظم بالٍ، ففته أمامه وقال: يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذا بعد أن صار رميماً ؟ قال: نعم، يبعثك ويدخلك النار. وأنزل الله في شأنه: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) [يس/78]
قال تعالى: (وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا) أي: إن آياتنا قد جاءتهم تلوح كالشمس؛ ظاهرةً، مبهرة، لكنهم كذبوا بها! فلا عذر لهم. وقوله: (كِذَّابًا) تأكيد, وإن كان من غير فعله، لأن (كذب) مصدره تكذيباً, لكن يصح أن يأتي المصدر من غير فعله, فقوله: (وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا) كناية عن شدة تكذيبهم. وقد كانوا كذلك؛ فإنه يأتيهم الحق البين، يسمعون القرآن ينزل على نبينا صلى الله عليه وسلم، ويفلق لهم القمر فلقتين، يأتيهم بالآيات الواضحات، فلا يزيدهم ذلك إلا كفراً، وتكذيباً.
قال تعالى: ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) فلم يخرج عنه شيء أبداً, فكل شيء أحصاه الله عز وجل, ومعنى (أَحْصَيْنَاهُ) أي: ضبطناه، وعددناه، وحفظناه؛ لأن أحصى تأتي بمعنى العد، كقول الله عز وجل: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [إبراهيم/34], ويأتي بمعنى الضبط، كتسمية العرب للعقل حصاة، فهو يدل على التعقل، والحفظ, وقوله: (كِتَابًا) أي: مكتوباً, وهذا من تمام عدله سبحانه وتعالى. ولو شاء الله سبحانه وتعالى، لما كتب ذلك, لكن من باب إقامة العدل، وإظهار الحجة, قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق/18]. فقد وكل الله تعالى بكل إنسان، ملكين، يكتبان ما يبدر منه، من قول، أو فعل، فلا يضيع شيء, قال تعالى: (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا) [الإسراء/13]. فهذه حجة بالغة، لا يثبت لأحد اعتراض عليها، حتى أنه إذا اعترض الكافر، يريد أن يتشبث بأي شيء, كالغريق الذي يتشبث بالقشة, يقول ظلمني الكتبة, قال الله تعالى: ألا يرضيك أن نبعث عليك شاهداً من نفسك؟ فيقول بلى يا ربي! فيختم الله تعالى على فيه، ويُنطق الله جميع جوارحه، فيكون أول من يشهد عليه فخذه، وتشهد عليه جوارحه، ثم بعد ذلك يخلّى بينه وبين الكلام, فيقول: بُعداً وسحقاً فعنكن كنت أناضل(1), قال تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يس/65]
قال تعالى: (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) يُقال إن هذه الآية هي أشد آية على أهل النار. وقد روي في ذلك حديث مرفوع، لكنه لا يصح, وروي حديث موقوف عن ابن عمر، رضي الله عنهما, وعن بعض السلف، أن هذه الآية أشد آية على أهل النار, ذلك أنهم يدعون الملائكة، ويقول قائلهم: ( يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) [الزخرف/77]، فتقول لهم الملائكة: (فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) [غافر/50]، ثم يأتيهم الجواب الشديد، الذي وقعه عليهم أشد من وقع العذاب الذي هم فيه: (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) أي: ليس هذا فقط، بل إن عذابكم سيزداد.
ومما يؤخذ من الفوائد من هذا المقطع:
الفائدة الأولى: إثبات البعث، وأهوال القيامة الكبرى.
الفائدة الثانية : إثبات الحساب، والفصل في الحقوق،والله تعالى سماه يوم الفصل.
الفائدة الثالثة :إثبات النار, وذكر أنواع العذاب فيها؛ من عذاب حسي وعذاب معنوي.
الفائدة الرابعة: العدل الإلهي؛ فالجزاء من جنس العمل. ويؤخذ من قوله تعالى: (جَزَاءً وِفَاقًا).


(1) أخرجه البخاري برقم (50)؛ ومسلم برقم (9) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, وأخرجه مسلم برقم (8) من حديث عمر رضي الله عنه.

(1) أخرجه البخاري برقم (3688) ؛ ومسلم برقم (2639) من حديث أنس رضي الله عنه.

(2) أخرجه البخاري برقم (6506) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(3) أخرجه البخاري برقم (4814)؛ ومسلم برقم ( 2955) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(1) أخرجه النسائي في الكبرى برقم ( 11016)؛ والترمذي برقم (3243) . وصححه الألباني " الصحيحة (1078 ,1079) ".

(1) أخرجه مسلم برقم ( 2968) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, وبرقم ( 2969) من حديث أنس رضي الله عنه بمعناه.




رحمك الله يا سمية

رقم العضوية : 8411
الإنتساب : Jan 1970
المشاركات : 16,376
بمعدل : 0.93 يوميا

شمائل غير متواجد حالياً عرض البوم صور شمائل


  مشاركة رقم : 65  
كاتب الموضوع : شمائل المنتدى : التفسير قديم بتاريخ : 04-23-2013 الساعة : 12:25 PM

المقطع الثالث
(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30))

هذا القرآن العظيم، نزل قولاً ثقيلاً، محكماً، رصيناً, على قومٍ كانوا يعيشون في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء, على قوم لا يرون موتاً، ولا بعثاً، ولا حياة، ولا نشوراً. قوم يقول قائلهم: إنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر! يأكلون، ويتمتعون كما تأكل الأنعام، وتتمتع. فلما أراد الله بهم خيراً، بعث فيهم هذا النبي العظيم، وأنزل إليه هذا القول الكريم؛ ليخرجهم من غفلتهم، وسدرتهم, فحركت أذهانهم، وهزت كيانهم، وأيقظتهم من غفلتهم، ورقدتهم، ولفت انتباههم إلى ما في هذا الكون من الآيات البينات، والحجج الباهرات، ليستدلوا بها على توحيد الألوهية، وأن الله وحده، هو المستحق للعبادة، وأنه لا يمكن أن يخلق هذا الكون سدى، ولا عبثاً, بل لحكمة بالغة. فلما قرر الله تعالى ذلك فيما تقدم من الآيات، ختمها بآيتين، هما كالوصلة للآيات التاليات، فقال : (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) . وفي هذا ملحظ بديع! كأن الله تعالى يقول: انتبهوا. هذه الجنات الألفاف، أخرجها الله من أرض موات! فالقادر على أن يُحيي الأرض بعد موتها، قادر على أن يخرجكم من قبوركم أحياء, كما قال الله تعالى في سورة (ق)، بعد أن ذكر إنزال المط، وإنبات النخيل، قال بعد ذلك : (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ).
قال الله عز وجل: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) (إن): حرف توكيد, فهذه جملة مؤكَّدَة, جملة تامة، ذات دلالة قوية. ويوم الفصل هو: يوم القيامة. وهذا أحد أسمائه. وأسماء يوم القيامة كثيرة جداً, وقد عدَّ القرطبي، رحمه الله، منها خمسين اسماً، وعدَّ ابن كثير، رحمه الله، ثمانين اسماً. وهذه الأسماء بعضها مبثوث في كتاب الله, وبعضها في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبعضها أوصاف أطلقها بعض العلماء. فمما جاء في كتاب الله تعالى: (يوم الدين), (يوم التغابن), (الطامة), (الصاخة), (يوم التلاق), (الحاقة), (الغاشية), (القارعة), (يوم الحساب), (يوم التغابن), (يوم الحشر), (يوم الآزفة),و(يوم الفصل) كما هاهنا. فهي كثيرة جداً, وهذه الكثرة ليست فقط كثرة في الأسماء, لكن لها دلالتها, فإن كل اسم من هذه الأسماء يُعطي دلالة معينة, فـ(القارعة)؛ لأنها تقرع القلوب. و(الصاخة)؛ لأنها تصخ الآذان. و(الآزفة)؛ لقربها. وهكذا في كل اسم من هذه الأسماء. وهذه الكثرة في الأسماء، تدل على عظيم العناية بالإيمان باليوم الآخر.
فقوله: ( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ) أي: الفصل بين الخلائق؛ فريق في الجنة، وفريق في السعير, والفصل في المظالم, فينال الظالم جزاء ظلمه، ويُعوض المظلوم عن مظلمته. فالفصل يتناول كل ملتبس. وقوله: (كَانَ مِيقَاتًا) أي: أنه موعد مؤقت, قد وقته الله تعالى، وعلم زمن حصوله, ولكنه أخفاه. ولهذا اعتذر النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل، حين سأله عن الساعة, فقال: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ "(1), فأعظم رسول بشري، وأعظم رسول ملكي، كلاهما لا يعلمان متى الساعة, كما قال الله عز وجل: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا . فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا . إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا) [النازعات/42-44], وفي الآية الأخرى يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الأعراف/187]. ولما سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة, متى الساعة؟ قال: "وماذا أعددت لها؟"(1), فلم يقل في يوم كذا، وكذا. فالله تعالى قد أخفى عنا الساعة، إلا أنا نعلم أنها تأتي بغتة، وأنها مجهولة الموعد، وأنها شديدة الوقع. فالساعة يخاف منها المؤمنون، لتعظيمهم لله سبحانه وتعالى قال عز وجل: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ . يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) [الشورى/17، 18]. والساعة كما سبق، لا تأتي إلا بغتة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا، فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ، وَلَا يَطْوِيَانِهِ. وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ، فَلَا يَطْعَمُهُ . وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ، وَهُوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ، فَلَا يَسْقِي فِيهِ. وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ، وَقَدْ رَفَعَ أَحَدُكُمْ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا"(2). فأمرها يقع فجأة، وسرعة. وقد جاء في صحيح البخاري، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ. قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالَ: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالَ: ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ، لَيْسَ مِنْ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"(3). فابن آدم يتحلل، ويفنى، ويعود تراباً، ولا يبقى منه إلا عجب الذنب؛ وهو العصعص, فيحفظ الله تعالى في هذا المتبقي منه، الصفات الوراثية التي منه يركب الخلق.
وقوله تعالى: ( يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا) هذا بيان وتوضيح, أي: أن يوم الفصل هو يوم ينفخ في الصور, وأتى بصيغة الفعل الذي لم يُسمَّ فاعله، لتفخيمه وتعظيمه. و(الصُّورِ) : هو البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل، عليه السلام، النفخة الأولى، التي يكون بها الصعق، والنفخة الثانية، التي يكون بها النشر. وقد جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: "كَيْفَ أَنْعَمُ! وَقَدْ الْتَقَمَ صَاحِبُ الْقَرْنِ الْقَرْنَ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَأَصْغَى سَمْعَهُ، يَنْظُرُ مَتَى يُؤْمَرُ"(1) أي: كيف أتنعم، وأهنأ بالعيش، وصاحب القرن، إسرافيل عليه السلام، قد التقم قرنه، أي: وضعه في فيه، استعداداً للنفخ، ينتظر أن يؤمر. فالذي يذكر هذا، لا يطيب له عيش, لأنه يخشى موعود الله عز وجل.
ففي قوله تعالى: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا) مشهد مهيب، رهيب, فإن البعث أمره عجيب: كل من دب على وجه الأرض، ثم مات، وتحلل فيها، يجمع الله خلقه يوم القيامة, فيُبعث الناس حفاةً، عراةً، غرلاً، بهماً، ويقومون لرب العالمين، يساقون على هيئة أفواج؛ زمراً زمراً! وتخيل هذا الحشد العظيم؛ من لدن آدم، عليه السلام، طوله ستون ذراعاً في السماء, ثم لم يزل الخلق ينقص بعد ذلك، إلى أن آل إلى ما نحن عليه، ولا ندرى إلى ما يؤول أيضاً بعدنا، في موكبٍ واحد، على صعيد واحد، على تفاوت أحجامه، وأطواله، وألوانه! وقوله تعالى: (أَفْوَاجًا) أي: فوجاً إثر فوج، والفوج: هم الجماعة من الناس. وقارن بين تلك الصورة التي ذكرها سابقاً، من حال الدنيا واستقرارها، بقوله: (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) وهذا الانقلاب الكوني الهائل .
ثم قال تعالى: (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا): فهذه السماء التي لا ترى فيها الآن ثقباً، ولا قدر رأس الإبرة، كما قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ . ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) [الملك/3، 4], فإذا بهذه السماء المحكمة، المتماسكة، المبنية، تنشق يوم القيامة، وتنفتح فيها فرج، وطرائق؛ ليهبط منها الملائكة, قال تعالى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا) [الفرقان/25]، فتنشق كل سماء، ويهبط ملائكتها، فيحيطون بأهل الأرض إحاطة السوار بالمعصم. ولاحظ في قوله تعالى: (وفتحت)، و(ينفخ)، وما بعدهما،كلها بصيغة الفعل الذي لم يُسمَّ فاعله, وذلك من باب التفخيم والتعظيم.
قال تعالى: (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا)، فهذه الجبال الذي قال عنها قبل بضع آيات: (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا), هذه الجبال الراسيات، تسيَّر بعد أن كانت تحفظ توازن الأرض، وتضبط استقرارها. والسراب إما أن يكون المراد به الهباء، أو هو تشبيه له بالماء, وليس بماء، كالذي يراه المسافر في شدة الحر، يزول أمامه يظنه ماء, يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً. فهذه الجبال تتراءى لأهل الموقف على هذه الصورة؛ كالسراب. وهذا حال من أحوال الجبال يوم القيامة, ذلك أن الجبال يمر بها يوم القيامة أحوال متعددة؛ منها التسيير، كما في هذه الآية، وفي قوله تعالى: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل/88], ويمر بها أيضاً حال الدك، والنسف, قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا . فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا . لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) [طه/105-107] وقال في آية أخرى: (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا) [الواقعة/5]، أي: نثرت، ودكت، حتى تصبح كالرماد. فالجبال تعتريها يوم القيامة هذه الأحوال, إلى أن يتحول وجه البسيطة قاعاً صفصفاً, ليس فيه معلم لأحد؛ ليس فيه مرتفع، ولا منخفض، بل تصبح الأرض كالقرصة .
ثم قال الله عز وجل: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا) جهنم: اسم من أسماء النار, وللنار أسماء كثيرة، وكل اسم من أسمائها يدل على وصف، وحال. ومن أشنع أسمائها (جهنم)، وهي من الجهومة، والسواد. ومعنى (مِرْصَادًا) أي: مكان رصد، وترقب. فهي مترصد لا يجاوزها أهلها حتى يقعوا فيها, والترصد. وذلك أن ما من أحد، إلا ويُعرض على النار, يقول الله عز وجل: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا)[مريم/71] أي: إلا مار فوقها, وذلك حين يؤمر الناس بالجواز على الصراط، وهو من أصعب مواقف يوم القيامة، حتى إن دعاء الرسل في ذلك الموطن: اللهم سلّم، سلّم! فحين يعرض الناس على النار، ويمرون فوقها، يتضح كيف تكون (مِرْصَادًا).
أما أهل النار، الذين هم أهلها، فقد دلت النصوص على أنهم يلقون فيها؛ تجمع أيديهم إلى أعناقهم، ثم يقذفون فيها. وإنما يمر فوق الصراط، الموحدون. فمن سبقت له من الله الحسنى، فإنه يجوزه، دون أن يصيبه شيء. فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح المرسلة، ومنهم من دون ذلك، ومنهم من تخطفه كلاليب على جنبتي الصراط، فتهوي به في النار. فلهذا كانت (مِرْصَادًا)، فهي مرصد للطاغين الذين هم أهلها، وكذلك لمن أراد الله، عز وجل، أن يعاقبه بقدر ذنبه، من عصاة الموحدين.
وقوله تعالى: (لِلطَّاغِينَ مَآَبا) الطغيان هو مجاوزة الحد, فإذا تجاوز العبد حده كان حقيقاً بالعذاب, إلا أن يتجاوز الله تعالى عنه. والله يمكن أن يتجاوز عن كل شيء إلا عن ذنب واحد، هو الشرك, قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) [النساء/48]. لكن لا ريب أن مرتكب الكبيرة مجازف، مخاطر. ومعنى (مَآَبا) أي: مرجعاً، ومصيراً. فالأوب: بمعنى الرجوع، والمصير.
وقوله تعالى: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا): معنى (لَابِثِينَ) أي: ماكثين, و(أَحْقَابًا) جمع حقب. والمقصود بالأحقاب: المُدد الطويلة. وقد ورد تقديرها في أحاديث مرفوعة، وموقوفة، وآثار عن بعض التابعين؛ فمنهم من قال: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة فيها اثني عشر شهراً, كل شهر فيه ثلاثون يوماً، وكل يوم بألف سنة. ومنهم من قال: سبعون سنة، على التقسيم السابق. ومنهم من قال: أربعون. ومنهم من قال أكثر، ومنهم من قال أقل. وعلى أي حال، فالأحقاب تدل على مدد طويلة، لكن ها هنا قد يثور إشكال، فربما قال قائل: وماذا بعد الأحقاب؟ أيخرج أهل النار، الذين هم أهلها، منها، أم لا؟ فالذين فسروا الأحقاب بالمدد الطويلة، خرجوا من هذا الإشكال، بأن قالوا: المراد بأنهم (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) أي: حقباً إثر حقب, بحيث لا يتناهى, فهذا خلود مستمر، لا انقطاع فيه. وأما من قال: إن أهل النار، الذين هم أهلها، يخرجون منها بعد مدد طويلة, فربما استدل بهذه الآية على خروجهم. لكن الذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة، أن أهل النار، الذين هم أهلها, دعك عن عصاة الموحدين, أي: الكفرة، والمشركون, لا يخرجون منها أبداً؛ لأن الله عز وجل ذكر التأبيد في خلودهم، في كتابه، في ثلاثة مواضع. وذهب ابن جرير الطبري، رحمه الله، إلى توجيه آخر، فقال: إن متعلق قوله (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) بما بعدها، وهو قوله: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا) أي: أنهم في نوع، ولون، من أنواع، وألوان الجحيم, يمكثون فيه هذه الأحقاب, ثم ينتقلون إلى لون آخر. فيكون هذا التحديد، في هذه المدة، تختص بلون، ونوع، من أنواع العذاب.
ومعنى(برداً): الهواء البارد، أو الماء البارد. وقيل: إن المقصود بالبرد: النوم, فإن العرب تسمي النوم برداً. وقوله: (إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا) هذا الاستثناء استثناء منقطع، لأنك لو رفعت (إِلَّا) ووضعت بدلاً منها (بل) صح المعنى, أي: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا) بل يذقون (حَمِيمًا وَغَسَّاقًا). والحميم: هو الماء المتناهي في الحرارة, شديد الغليان, حتى أنهم، والعياذ بالله، إذا استسقوا، أتوا بالحميم ليشربوه، فتسقط جلدة وجهه فيه، كما أخبر الله، عز وجل، عن ذلك في سورة الكهف، و غيرها، قال تعالى : (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ) [الكهف/29]، وقال: (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) [محمد/15] فهذه سقيا أهل النار، والعياذ بالله، الحميم، وبئس الشراب. وأما الغساق، فقد ورد ذكره في القرآن في غير هذا الموضع, قال تعالى: (هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ . وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ)[ص/57، 58]. فالغساق، المراد به صديد أهل النار، وما يخرج من قيحهم، وجروحهم، ودموعهم، وغير ذلك من أذاهم، الذي يساق إليهم. وقيل: إن الغساق معناه: المنتن. ولا تنافي بين المعنيين, فإنه يكون من صديد أهل النار، وقروحهم، وجروحهم، ويكون أيضاً منتناً. ووصف أيضاً بأنه بارد, فهو يأتيهم على هذه الصفة ويكون بارداً، متنناً، والعياذ بالله.
قال تعالى: (جَزَاءً وِفَاقًا) أي أن هذا الذي نالوه، إنما هو بسبب كفرهم بالله، عز وجل، (وِفَاقًا) على ما قدموا من سالف أعمالهم السيئة، والجزاء من جنس العمل. ثم علل الله تعالى، استحقاقهم لهذا العذاب الشنيع، فقال سبحانه: (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا) أي: كانوا في الدنيا لا يخافون, فيرجون هنا، بمعنى يخافون. وإنما فسرت (يَرْجُونَ) بمعنى يخافون, لأن الرجاء جاء هنا منفياً, فإذا جاء الرجاء منفياً، فإنه بمعنى الخوف, لأنه رجاءٌ يُخاف ألا يتم. ليس المقصود يرجون أي: يتمنون ويبغون ويطلبون, كلا, بل المقصود ضد ذلك, وهذه قاعدة مطردة في القرآن العظيم. فقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا) أي أنهم كانوا ينكرون البعث، حتى إن أحدهم، وهو أبي ابن خلف، أتى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه عظم بالٍ، ففته أمامه وقال: يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذا بعد أن صار رميماً ؟ قال: نعم، يبعثك ويدخلك النار. وأنزل الله في شأنه: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) [يس/78]
قال تعالى: (وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا) أي: إن آياتنا قد جاءتهم تلوح كالشمس؛ ظاهرةً، مبهرة، لكنهم كذبوا بها! فلا عذر لهم. وقوله: (كِذَّابًا) تأكيد, وإن كان من غير فعله، لأن (كذب) مصدره تكذيباً, لكن يصح أن يأتي المصدر من غير فعله, فقوله: (وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا) كناية عن شدة تكذيبهم. وقد كانوا كذلك؛ فإنه يأتيهم الحق البين، يسمعون القرآن ينزل على نبينا صلى الله عليه وسلم، ويفلق لهم القمر فلقتين، يأتيهم بالآيات الواضحات، فلا يزيدهم ذلك إلا كفراً، وتكذيباً.
قال تعالى: ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) فلم يخرج عنه شيء أبداً, فكل شيء أحصاه الله عز وجل, ومعنى (أَحْصَيْنَاهُ) أي: ضبطناه، وعددناه، وحفظناه؛ لأن أحصى تأتي بمعنى العد، كقول الله عز وجل: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [إبراهيم/34], ويأتي بمعنى الضبط، كتسمية العرب للعقل حصاة، فهو يدل على التعقل، والحفظ, وقوله: (كِتَابًا) أي: مكتوباً, وهذا من تمام عدله سبحانه وتعالى. ولو شاء الله سبحانه وتعالى، لما كتب ذلك, لكن من باب إقامة العدل، وإظهار الحجة, قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق/18]. فقد وكل الله تعالى بكل إنسان، ملكين، يكتبان ما يبدر منه، من قول، أو فعل، فلا يضيع شيء, قال تعالى: (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا) [الإسراء/13]. فهذه حجة بالغة، لا يثبت لأحد اعتراض عليها، حتى أنه إذا اعترض الكافر، يريد أن يتشبث بأي شيء, كالغريق الذي يتشبث بالقشة, يقول ظلمني الكتبة, قال الله تعالى: ألا يرضيك أن نبعث عليك شاهداً من نفسك؟ فيقول بلى يا ربي! فيختم الله تعالى على فيه، ويُنطق الله جميع جوارحه، فيكون أول من يشهد عليه فخذه، وتشهد عليه جوارحه، ثم بعد ذلك يخلّى بينه وبين الكلام, فيقول: بُعداً وسحقاً فعنكن كنت أناضل(1), قال تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يس/65]
قال تعالى: (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) يُقال إن هذه الآية هي أشد آية على أهل النار. وقد روي في ذلك حديث مرفوع، لكنه لا يصح, وروي حديث موقوف عن ابن عمر، رضي الله عنهما, وعن بعض السلف، أن هذه الآية أشد آية على أهل النار, ذلك أنهم يدعون الملائكة، ويقول قائلهم: ( يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) [الزخرف/77]، فتقول لهم الملائكة: (فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) [غافر/50]، ثم يأتيهم الجواب الشديد، الذي وقعه عليهم أشد من وقع العذاب الذي هم فيه: (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) أي: ليس هذا فقط، بل إن عذابكم سيزداد.
ومما يؤخذ من الفوائد من هذا المقطع:
الفائدة الأولى: إثبات البعث، وأهوال القيامة الكبرى.
الفائدة الثانية : إثبات الحساب، والفصل في الحقوق،والله تعالى سماه يوم الفصل.
الفائدة الثالثة :إثبات النار, وذكر أنواع العذاب فيها؛ من عذاب حسي وعذاب معنوي.
الفائدة الرابعة: العدل الإلهي؛ فالجزاء من جنس العمل. ويؤخذ من قوله تعالى: (جَزَاءً وِفَاقًا).


(1) أخرجه البخاري برقم (50)؛ ومسلم برقم (9) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, وأخرجه مسلم برقم (8) من حديث عمر رضي الله عنه.

(1) أخرجه البخاري برقم (3688) ؛ ومسلم برقم (2639) من حديث أنس رضي الله عنه.

(2) أخرجه البخاري برقم (6506) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(3) أخرجه البخاري برقم (4814)؛ ومسلم برقم ( 2955) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(1) أخرجه النسائي في الكبرى برقم ( 11016)؛ والترمذي برقم (3243) . وصححه الألباني " الصحيحة (1078 ,1079) ".

(1) أخرجه مسلم برقم ( 2968) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, وبرقم ( 2969) من حديث أنس رضي الله عنه بمعناه.




رحمك الله يا سمية

رقم العضوية : 8411
الإنتساب : Jan 1970
المشاركات : 16,376
بمعدل : 0.93 يوميا

شمائل غير متواجد حالياً عرض البوم صور شمائل


  مشاركة رقم : 66  
كاتب الموضوع : شمائل المنتدى : التفسير قديم بتاريخ : 04-23-2013 الساعة : 12:26 PM

سورة النبأ
المقطع الرابع
} إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً (33) وَكَأْسًا دِهَاقاً (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَباً (39) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً (40){
يقول الله تعالى : ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً ) المتقون : هم الذين اتقوا الله عز وجل , بفعل أوامره , واجتناب نواهيه , هم الذين يخشون ربهم بالغيب :
خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التــقى
واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصـــى
التقوى : حال يقيمها الله عز وجل في قلب العبد , فتكون واعظاً له من تلقاء نفسه ؛ كلما همَّ بمعصية قال : اتق الله ! خفِ الله ! خفِ اليوم الآخر ! فيردعه. تقول فاطمة بنت عبد الملك : كان عمر ابن عبد العزيز، رحمه الله، يذكر الموت وهو على فراشي , فينتفض كما ينتفض العصفور .
إذا أراد الإنسان أن يقيس تقواه، فلينظر إلى حاله عند غيابه عن أعين الناس. لا تقس تقواك وأنت بين الناس؛ يركعون، ويسجدون، فتركع، وتسجد معهم , وهم يذكرون، فتذكر معهم. إذا أردت أن تقيس تقواك، فانظر إلى نفسك حينما تخلو, هل يردعك واعظ الله في قلبك أم لا ؟ هاهنا التقوى .
(مفازاً) : أي : مكان فوز, وقيل : متنزه , وقيل : ( مفازاً ) أي : الجنة , كما فسرها ما بعدها :
(حدائق) : جمع حديقة, وسميت بذلك، لأنها تحدق بالأشجار, والثمار, وأنواع ما يخرج من الأرض.
(وأعناباً) خص الأعناب بالذكر ، لأنه من أكرم الثمار الذي تعرفه العرب. وهو لا شك ثمرة كريمة , وفاكهة طيبة . ولكن لا يخفى أن الأمر كما قال ابن عباس، رضي الله عنهما : " ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء " , الأسماء واحدة، لكن الحقائق مختلفة , فليس عنب الجنة كعنب الدنيا , اتفقت الأسماء , لكن الحقائق، والمسميات متفاوتة، حتى إن ثمار أهل الجنة التي من شكل واحد، تتفاوت طعومها, قال الله عز وجل : ( كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابهاً ) يعني : تكون صورته واحدة، فيظنون أنه هو الذي طعموا من قبل, فيجدون طعمه مختلفاً ؛ لسعة كرم الله , وإغداقه عليهم من النعم . وعبر بهذين الوصفين (حدائق وأعناباً) عن لونين من ألوان النعيم الحسي في الجنة، وهما الأمكنة البهية، والثمار الشهية .
(وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا) هذا لون آخر من المتع الحسية؛ وهو الاستمتاع بالحور العين, والكواعب: جمع كاعب، وهي الجارية التي تفلك نهدها، واستدار. وهذا غاية ما يكون في الجمال, والرغبة في النساء.
(أتراباً) أي : متساويات الأسنان. فهم يرزقون هؤلاء الكواعب الناعمات، الأنيقات، الجميلات , التي يرى مخ ساق إحداهن من وراء سبعين حلة, ولو اطلعت إحداهن على أهل الأرض لأشرق ما بين الخافقين. قال الله عز وجل : ( وعندهم قاصرات الطرف أتراب ) , فهذا لون آخر من نعيم الجنة .
(وكأساًً) الكأس: المراد به كأس الخمر, لكن أي خمر؟ قال تعالى : ( لا يصدعون عنها ولا ينزفون ) يعني : لا تسبب لهم صداعاً وأذىً, وإنما هي خمر يلتذون بشربها , لا تضيع عقولهم ولا تصدع رؤوسهم ,
(دهاقاً) أي : ممتلئة, ليست قاصرة ناقصة, وقيل : متتابعة, ما يكاد يشربها حتى تمتلئ من جديد , وقيل: صافية. ولا مانع من اجتماع جميع هذه الأوصاف, فتلكم الكأس، أذاقنا الله وإياكم طعمها، ممتلئة، مترعة، متتابعة، صافية .
(لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً) أي : أنهم قد صان الله أسماعهم أن يسمعوا اللغو الذي يحصل عادة بين المخمورين ؛ لأن المخمورين إذا شربوا الخمر، فاهو بالكلام السوء, واللغو, والسباب, أما أهل الجنة فإنهم لا يسمعون هذا من جراء تعاطيهم لكأس الخمر. ( لغواً ) اللغو: هو الكلام الفاحش البذيء, (ولا كذاباً) أي : ولا الكذب .
(جزاءً من ربك عطاءً حساباً) يعني : أنهم يستأهلون, لكنهم إنما نالوا ذلك برحمة الله لا بعملهم, فالله عز وجل، من كرمه، وفضله، ومنِّه، أنعم عليهم بهذه النعم العظيمة المتتابعة، التي أعمالهم لا تكافئ عشر معشارها, فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً : " لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ. قَالَ رَجُلٌ: وَلَا إِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا إِيَّايَ، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَلَكِنْ سَدِّدُوا" رواه مسلم. فإن قلت : فما معنى قول الله عز وجل : ( وتلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ) ؟ فالجواب أن الباء في الآية للسببية , يعني بسبب أعمالكم , فالباء المثبتة هي باء السببية , والباء في الحديث، هي المنفية، وهي باء المقابلة والثمنية..
(رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن) الرب: هو الذي يربي خلقه بنعمه , هو الذي ينشأ من العدم , هو الخالق، المالك، المدبر, فهو رب كل شيء, ومليكه, وخالقه, ورازقه, ومدبر أمره, فالله تعالى رب السموات، والأجرام العلوية, ورب الأرض، والآيات السفلية, سبحانه وبحمده، لا يخرج شيءٌ عن ربوبيته.
(لا يملكون منه خطاباً) أي : لا يستطيع أحدٌ أن يتقدم بين يديه بقول، إلا ما استثني .
(يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون) أي : إجلالاً لله, وتعظيماً لله, ومهابة .
( إلا من آذن له الرحمن وقال صواباً ) أي : لكمال إجلالهم، وتعظيمهم، وخوفهم، وخشيتهم الله عز وجل، لا ينطقون ببنت شفة، إلا ( من أذن له الرحمن وقال صواباً ) هذا الذي يفسح له بالكلام. ويدخل في هذا الشفاعة؛ فإن الله سبحانه وتعالى، لا يأذن بالشفاعة إلا بشرطين : أذن الله للشافع أن يشفع , ورضاه عن المشفوع له , فقوله: ( إلا من أذن له الرحمن ) يدل على الشرط الأول، وهو أذن الله للشافع أن يشفع , وقوله : ( وقال صواباً ) يدل على الشرط الثاني، وهو ورضاه عن المشفوع له .
(الروح) : قيل فيه أقوال عدة , قيل : إن الروح ملك عظيم، خلقه يوازي خلق جميع المخلوقات. وقيل : إن الروح هو جبريل عليه السلام. وقيل : إن الروح هم بنو آدم. وقيل إن الروح هي أرواح بني آدم. وقيل إن الروح هو القرآن. والأقرب، والله أعلم، أنه جبريل ؛ لأن الله تعالى قال في سورة القدر: (تنزل الملائكة والروح فيها) . وإن كان قد وقع خلاف أيضاً، في تفسير الروح في سورة القدر، من أنهم طوائف من الملائكة, لكن نظراً لعظم أمر جبريل, وأنه سيد الملائكة لا عجب أن يخص بالذكر .
(ذلك اليوم الحق) أي : يوم القيامة .
(فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً) أي : مرجعاً وتوبة .
(إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً) النذارة : هي الإخبار بالأمر المخوف. وضدها البشارة : وهى الإخبار بالأمر السار. والمناسب لحال القوم النذارة ؛ لأنهم منكرون، معاندون, ويوم القيامة ليس ببعيد, قال صلى الله عليه وسلم : (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ أَوْ كَهَاتَيْنِ وَقَرَنَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى) متفق عليه, فأمرها قريب, (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) [الأحزاب/63]. وهذا القرب قرب نسبي، لأنه منسوب إلى مجموع خلق العالم , فلا يقال : كيف قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وقد مضى على مقولته أربعة عشر قرناً وزيادة ؟ فالأمور لا ريب أنها نسبية .
(يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) المرء هاهنا: هو جنس الإنسان , وذهب الحسن، رحمه الله، إلى أن المرء هاهنا هو المؤمن خاصة؛ بدلالة المقابلة, فإنه قال : (ويقول الكافر)، فالأول هو المؤمن , والثاني هو الكافر. فكأنه رحمه الله، جعل ذلك من باب التقسيم, وأن الأمر كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما من أحد إلا ويندم يوم القيامة؛ فأما الكافر فيندم لكفره, وأما المؤمن فيندم ألا يكون قد استكثر من الخير, ولكن لا ينفع هذا الندم وهذا الاستعتاب في ذلك الموقف.
(ويَقُولُ الكافر يا ليتني كنت تراباً) يتمنى الكافر، والعياذ بالله، أن لو كان تراباً , أي : أن لو كان تحلل، وعاد كما كان في الحياة البرزخية. وقيل إن سبب تمنيه هذا، هو ما جاء في الآثار من أنه في يوم القيامة، يقام العدل, حتى إنه ليقتص للشاة الجماء، من الشاة القرناء؛ لأنها نطحتها في الدنيا, ثم بعد ذلك يقال لهذه الحيوانات: كوني تراباً! فيتمنى الكافر أن لو صار بمنزلة الحيوانات, ليكون تراباً .
الفوائد المستنبطة :
1- إثبات البعث , وأهوال القيامة الكبرى.
2- إثبات الحساب, والفصل في الحقوق, والله تعالى سماه يوم الفصل .
3- إثبات النار - أجارنا الله وإياكم من عذابها الحسي والمعنوي
4- العدل الإلهي , فالجزاء من جنس العمل: ( جزاءً وفاقاً ) ، بالنسبة للنار , ( جزاءً من ربك عطاءً حساباً ) , بالنسبة للجنة, فالجزاء من جنس العمل, وإن من معاني ( حساباً ) معنى الكفاية ومنه قول العرب : " أعطاني فاحسبني " يعني : حتى قلت حسبك .
5- إثبات الجنة ونعيمها الحسي والمعنوي جعلنا الله وإياكم من أهلها.
6- الاستئناس باسم الرحمن في تقوية الرجاء, قال تعالى : (الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً) , فمع أن المقام مقام مهول ومخوف, إلا أنه أتى بهذا الاسم الرقيق الذي يدل على الرحمة, ففيه يتنسم المؤمن نسيم الرجاء, ولا ريب أن ذكر الأسماء الحسنى في ذيل الآيات, أو في أثناء الآيات له دلالة, ألم تروا أن الله سبحانه وتعالى قال : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ والله عزيز حكيم) , ثم قال بعدها : (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ) فختمها بقوله: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [المائدة/39] , فكل اسم من أسماء الله الحسنى يناسب ذكره في سياق معين.
7- إثبات الملائكة، وخشيتهم لربهم
8- إثبات الشفاعة بشروطها: ( إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً ) .
9- إثبات المشيئة الإنسانية, والرد على الجبرية, لقوله : (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً) , فالإنسان يشاء، وله مشيئة حقيقية , خلافاً للجبرية الذين يقولون العبد مسير، مسلوب المشيئة، مجبور على فعله. والحق أن العبد له مشيئة حقيقية, ولكن هذه المشيئة داخلة تحت مشيئة الله ؛ لقوله تعالى: ( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ . وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) .
10- قرب أمر الساعة , ( إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً ) , فقرب العذاب، دليل على قرب الساعة.
11- بيان أعظم الندم، أجارنا الله وإياكم, قال تعالى : ( وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً ) .



إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
30 وقفة في فن الدعوة جنى إعداد الأخت الداعية 13 10-04-2013 12:25 PM
كتاب شرح لمعة الأعتقاد للشيخ اللهيميد ( الجزء الثاني ) راحلة إلى ربي المكتبة الدعوية 3 04-12-2013 06:03 PM
إتحاف الخلان والجماعة بفوائد شرح عقيدة أهل السنة والجماعة . العلامة ابن عثيمين. نبض التوحيد عقيدة أهل السنة والجماعة 6 03-19-2013 01:18 AM
كيف تكسب ود وحب الناس أم منة أسرة الأخت الداعية 1 08-27-2010 11:05 PM
كتاب التوابين عبيرالورود الرقائق وأعمال القلوب 1 05-30-2010 01:20 PM

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


New Page 1


جميع الحقوق متاحة لكل مسلم بشرط الأمانة في النقل
Protected by CBACK.de CrackerTracker
mess by mess ©2009